أمننا الرقمي .. بين انبهار التقنية والسيادة المفقودة
المهندس أحمد بن سليمان الحسيني
في غمرة الاندفاع نحو تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحلول الرقمية المتسارعة، يبدو أننا بحاجة ماسة للتوقف قليلاً أمام تكلفة هذا الانبهار التقني. فالأنظمة الذكية التي نتسابق لإدخالها اليوم في تفاصيل حياتنا وعملنا ومؤسساتنا لا تعمل في فراغ، بل تتغذى على أدق تفاصيل بياناتنا، وهي الثروة الحقيقية التي تُبنى عليها قوة الدول في هذا العصر. وهنا تبرز المسألة الأكثر حرجًا وأهمية في مسيرتنا نحو التحول الرقمي: أين تقف سلطنة عمان من مفهوم “سيادة البيانات”؟
لقد تجاوزت المسألة حدود الرفاهية الفردية والمؤسسية أو التسهيل الإداري، لتصبح قضية أمن وطني خالص يمس سيادة الدولة واقتصادها واستقرارها. إن فتح الأبواب على مصراعيها لتدفق البيانات الوطنية نحو خوادم وأنظمة سحابية خارجية، بحجة مواكبة العصر، ينطوي على مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى استنزاف أصولنا الرقمية. فمن يملك بياناتك اليوم يملك القدرة على توجيه قرارك غدًا، والذكاء الاصطناعي بكافة أنواعه يمثل أداة امتصاص مستمرة للمعلومات، تجمع كل شاردة وواردة لتُحلل في الخارج، بعيدًا عن رقابتنا وقوانيننا.
لذا، فإن المرحلة الحالية تتطلب وقفة حازمة ومراجعة شاملة لآلية التعاطي مع التكنولوجيا الوافدة. لم يعد مقبولًا أن نكون حقل تجارب لبرمجيات وأنظمة لم تخضع للفحص الدقيق والتحقق الصارم من مناشئها وأهدافها. يجب أن نرسخ مبدأً قانونيًا وتشريعيًا قاطعًا: لا مكان لأي تقنية في مجتمعنا ومؤسساتنا قبل أن تمر عبر مختبرات تقييم وطنية صارمة، تفك خوارزمياتها، وتضمن خلوها من أي ثغرات أو نوافذ خفية قد تهدد أمننا المعلوماتي.
إننا بحاجة عاجلة إلى صياغة قوانين وسياسات صارمة لا تقبل التأويل، تفرض تصنيفًا حاسمًا للبيانات، وتمنع خروج المعلومات الحساسة والسيادية خارج الحدود تحت أي ظرف أو مبرر تكنولوجي. يتوازى مع ذلك بالضرورة الاستثمار الأعمق في البنية التحتية المحلية، والاعتماد الكلي على استضافة سحابية داخل حدود الوطن، تُدار بعقول وكفاءات وطنية قادرة على فهم أبعاد هذا الفضاء الرقمي الشاسع.
التقدم الحقيقي لا يعني الاندفاع غير المحسوب خلف كل صيحة تكنولوجية، بل يعني الابتكار المسؤول والواعي الذي يحمي مكتسباتنا ويؤمن المستقبل. إن حماية أصولنا الرقمية وقوننتها بحزم هي صمام الأمان الذي نضمن به استقلالنا التقني، ولهذا تبرز الضرورة الملحّة والقطعية اليوم لربط كافة مشاريعنا وحلولنا الرقمية بنظام فحص إلزامي، يتمثل في مختبرات تقييم وطنية صارمة ومستقلة؛ تكون هي حائط الصد الأول وبوابة العبور الأساسية لأي تقنية قبل إجازتها واستخدامها، لضمان بناء وطن رقمي محصن وقادر على المنافسة، دون أن يفرط في ذرة واحدة من سيادته.


