بلدة “مسفاة بوشر”.. بين إرث الأجداد وتحديات التحول الصناعي
محمد بن حميد بن عامر الرحبي
تظل الأمكنة في وجدان العُماني أكثر من مجرد جغرافيا؛ فهي ذاكرة حية وشواهد ممتدة تروي حكايات الآباء والأجداد. ومن بين هذه الأمكنة الضاربة في أصالتها تبرز بلدة “مسفاة بوشر” الشرقية والغربية، تلك البلدة الوادعة التي شكّلت عبر العقود محطة مهمة على طريق القادمين والمغادرين بين العاصمة مسقط ومحافظتي الداخلية والشرقية.
هناك امتدت جذور عائلتي، واحتضنت مقبرة المسفاة الغربية رفات أجدادي، وهناك أيضاً آثر والدي أن يستقر مجدداً في قرية “سرو” إلى جوار أخيه، استذكاراً لتاريخ عائلي ممتد على هذا التراب الطيب.
غير أن هذه البلدة الهادئة كانت على موعد مع منعطف تاريخي مهم في عام 2007م (1428هـ)، حين صدر القرار الحكومي بتحويل المخطط من سكني إلى صناعي، وهو قرار جاءت دوافعه منسجمة مع متطلبات التنمية الاقتصادية والتوسع العمراني والصناعي الذي تشهده سلطنة عُمان. وقد استبشر الأهالي خيراً بالتكرم الحكومي المتمثل في نقل المواطنين وتعويضهم بمساكن حديثة في “مخطط العوابي”، إلا أن تنفيذ المشروع أفرز عدداً من الملفات العالقة التي ما زالت تؤرق بعض الأسر والمواطنين حتى اليوم.
إن المتابع لمسار ملف التعويضات يلحظ وجود تباينات أوجدت شعوراً بالمعاناة لدى عدد من المتأثرين؛ فبينما نص القرار الأساسي على تعويض المنازل الواقعة ضمن نطاق محدد من المنطقة الصناعية، بقيت أجزاء أخرى مصنفة ضمن النطاق السكني. إلا أن السنوات اللاحقة شهدت تغيرات متسارعة في استخدامات بعض الأراضي المجاورة، وهو ما أكدته مراجعات لاحقة لدى مكتب والي بوشر، حيث جرت تعديلات في عام 2012م (1433هـ).
وقد أوجد هذا الواقع حالة من التفاوت، إذ ما زال بعض المواطنين من السكان الأصليين وأصحاب الحقوق التاريخية خارج مظلة التعويض، في حين شملت التعويضات فئات أخرى وفقاً للمعايير والإجراءات المعتمدة آنذاك.
ولم تتوقف التحديات عند ملف الإسكان والتعويضات، بل امتدت إلى الجانب الاستثماري والزراعي؛ إذ أقدم عدد من المواطنين على شراء أراضٍ زراعية بمبالغ مرتفعة استناداً إلى التوجه العام نحو التوسع الصناعي في المنطقة، قبل أن يصدر في عام 2020م (1441هـ) قرار بوقف تحويل الأراضي الزراعية إلى صناعية نتيجة تباين المطالبات والاعتبارات التنظيمية، الأمر الذي ترتبت عليه أعباء وخسائر مادية تكبدها بعض المستثمرين والمواطنين.
واليوم تقف “مسفاة بوشر” أمام واقع بيئي واجتماعي جديد، بعد أن أصبحت محاطة بالورش والمصانع والأنشطة الصناعية المختلفة من جهات عدة. ولا شك أن استمرار الاستخدام السكني في محيط يغلب عليه الطابع الصناعي يطرح تحديات تتعلق بجودة الحياة والبيئة والصحة العامة، ويجعل من الضروري إعادة النظر في بعض الجوانب المرتبطة بالتخطيط والتنظيم المستقبلي للمنطقة.
ومن هذا المنطلق، وفي ظل ما عهدناه من اهتمام حكومتنا الرشيدة بمختلف قضايا المواطنين، فإن الآمال تتجه إلى صاحب السمو السيد بلعرب بن هيثم بن طارق آل سعيد، وزير الدولة ومحافظ مسقط، للنظر في أوضاع المواطنين المتأثرين ببلدة مسفاة بوشر، ودراسة الملفات العالقة بما يحقق العدالة ويعالج الفجوات القائمة ويضمن إنصاف جميع المتضررين وفق الأطر النظامية المعمول بها.
إن معالجة هذه الملفات وتسوية أوضاع المتأثرين لا تمثل مطلباً خدمياً فحسب، بل تجسد قيم العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة التي أرستها القيادة الحكيمة، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – بما يكفل تعزيز الثقة وترسيخ مبادئ المساواة والإنصاف بين المواطنين.



