أبو اليقظان .. رحل الجسد وبقي الأثر
محمد بن سعيد العلوي
هناك رجال لا تنتهي حكايتهم برحيلهم، لأنهم لم يعيشوا يومًا لأنفسهم فقط، بل تركوا في حياة من حولهم أثرًا جميلًا لا تمحوه الأيام. فبعض الأشخاص يكون حضورهم مختلفًا، يزرعون المحبة في القلوب، ويتركون خلفهم ذكريات تبقى شاهدة على طيب معدنهم ونبل أخلاقهم.
وفي لحظات الفقد تصبح الكلمات عاجزة عن وصف حجم الألم، لأن بعض الأشخاص أكبر من أن تُختصر سيرتهم في سطور، وأغلى من أن يكون رحيلهم مجرد خبر عابر. واليوم نكتب عن إنسانٍ ترك أثرًا لا يُنسى، وعن أخٍ وزميلٍ لم يكن وجوده بيننا عابرًا، بل كان حضورًا يحمل الأخلاق والطيبة والاحترام.
إنه الراحل العزيز سالم الحمداني (أبو اليقظان)، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى بعد رحلة من الصبر والمعاناة مع المرض، واجهها رحمه الله بالإيمان والثبات، محتسبًا أمره عند الله، راضيًا بقضائه وقدره.
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ودّعنا مُنذو أيام قليلة أخًا عزيزًا وزميلًا كريمًا، كان مثالًا للإنسان الذي يترك خلفه سيرة أجمل من الكلام، وذكريات أعمق من النسيان. فلم يكن سالم رحمه الله مجرد زميل عمل أو جار بمنطقتنا، بل كان أخًا بمعنى الكلمة، وصديقًا ورفيقًا قريبًا من القلوب.
عرفه الجميع بطيب قلبه، وحسن تعامله، وابتسامته الصادقة، وكلماته الطيبة التي كانت تعكس صفاء روحه وجمال أخلاقه. كان من الأشخاص الذين يكسبون احترام الآخرين بأفعالهم قبل أقوالهم، وبمواقفهم قبل حديثهم.
إن قيمة الإنسان الحقيقية لا تُقاس بما يملك أو بما يصل إليه، بل بما يتركه بعد رحيله من أثر في نفوس الناس. وهناك أشخاص تمر أسماؤهم في حياتنا مرورًا عابرًا، وهناك أشخاص يصبحون جزءًا من ذاكرتنا وتفاصيل أيامنا. وكان أبو اليقظان من أولئك الذين تركوا بصمة جميلة في قلوب كل من عرفه.
في بيئة العمل، تجمعنا الأيام بالكثير من الزملاء، لكن القليل منهم يتحول إلى أخوة وذكريات لا تُنسى. نعتاد وجودهم، ونأنس بحضورهم، وعندما يغيبون نشعر بأن المكان فقد شيئًا من روحه. هكذا كان رحيل سالم الحمداني؛ فقدًا لإنسان لم يكن مجرد زميل وصديق، بل كان قيمة إنسانية وحضورًا طيبًا وأخٍ عزيزًا.
لقد كانت رحلته مع المرض درسًا في الصبر والإيمان، فقد واجه الألم بقلب ثابت، وتحمّل مشقة الطريق بروح راضية، وكان يعلم أن رحمة الله أكبر من كل تعب، وأن ما عند الله خير وأبقى.
رحل أبو اليقظان، لكن بقيت سيرته الطيبة، وبقيت مواقفه الجميلة، وبقيت ذكراه في قلوب من أحبوه. فالأجساد ترحل، لكن الأرواح النقية تترك خلفها أثرًا لا يزول، وتبقى حاضرة بالدعاء والذكر الطيب.
اليوم نفتقد أخًا وصديقًا ورفيقًا، نفتقد صوتًا ألفناه، ووجهًا اعتدنا رؤيته، وإنسانًا كان وجوده إضافة جميلة لكل من حوله. لكن عزاءنا أنه انتقل إلى جوارِ ربٍ رحيم، أرحم به منا جميعًا.
نسأل الله العظيم أن يرحم سالم الحمداني (أبو اليقظان) رحمة واسعة، وأن يجعل مرضه وصبره واحتسابه في ميزان حسناته، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن ينزله منازل الصالحين، وأن يبدله دارًا خيرًا من داره …..
اللهم ألهم أهله وذويه وزملاءه ومحبيه الصبر والسلوان، واجعل ذكراه الطيبة باقية في القلوب،
اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده.
رحمك الله يا أبا اليقظان…
رحل الجسد، لكن بقي الأثر، وبقيت السيرة الطيبة شاهدًا على إنسان عاش بين الناس بالمحبة والاحترام.
إنا لله وإنا إليه راجعون.



