رسالة وطنية تواجه تحديات ميدانية
بدرية بنت حمد السيابية
يعد التعليم من أهم ركائز بناء الإنسان وتقدم المجتمعات. ومن هذا المنطلق حظيت برامج محو الأمية في سلطنة عمان باهتمام كبير منذ بدايات النهضة المباركة إيماناً بأهمية إتاحة فرص التعلم للجميع. وقد أسهمت هذه البرامج في تعليم أعداد كبيرة من المواطنين والمواطنات وفتحت لهم أبواب المعرفة ومكنتهم من مواصلة تعليمهم والمشاركة بصورة أوسع في خدمة المجتمع. ورغم ما حققته هذه البرامج من نجاحات وإنجازات فإن الواقع الميداني يكشف عن تحديات تواجه المعلمات والدارسات وتستدعي مزيداً من الدعم والاهتمام لضمان استمرار هذه الرسالة الوطنية وتحقيق أهدافها.
لقد بدأ نشاط محو الأمية في سلطنة عمان خلال العام الدراسي 1973 – 1974م في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى نشر التعليم وتوسيع دائرة الاستفادة منه بين مختلف فئات المجتمع. وكانت مدة الدراسة في ذلك الوقت عامين دراسيين يحصل الدارس بعدهما على شهادة التحرر من الأمية التي تعادل النجاح في الصف الرابع من التعليم النظامي. وبعد إتمام هذه المرحلة تتاح للدارسين فرصة مواصلة تعليمهم من خلال صفوف تعليم الكبار التي تعقد خلال الفترة المسائية بما يتناسب مع ظروف العمل والحياة اليومية.
وشهدت برامج محو الأمية خلال السنوات اللاحقة عدداً من التطورات التي هدفت إلى رفع مستوى المخرجات التعليمية وتحسين فرص التعلم. ومع ما شهدته المناهج الدراسية من تحديث وتطوير تم تمديد مرحلة محو الأمية من سنتين إلى ثلاث سنوات اعتباراً من العام الدراسي 2005 – 2006م، وجاء هذا التطوير مواكباً للتوجهات التربوية الحديثة والجهود الدولية الرامية إلى تعزيز التعليم المستمر وتوسيع فرص التعلم مدى الحياة.
وقد أسهمت هذه البرامج في تمكين الدارسين من اكتساب مهارات القراءة والكتابة وفتحت أمامهم آفاقاً جديدة للتعلم والمعرفة. كما عزت مستوى الوعي لدى المستفيدين منها ومكنتهم من التفاعل بصورة أفضل مع متطلبات الحياة اليومية. ولذلك فإن محو الأمية لا يمثل برنامجاً تعليمياً فحسب، بل يعد استثماراً في الإنسان وبناء المجتمع.
ورغم هذه الجهود وما تحقق من نتائج إيجابية فإن هناك تحديات ميدانية ما زالت تواجه برامج محو الأمية وتؤثر في مسيرة العطاء التي تقوم بها المعلمات والدارسات، ومن أبرزها ما يتعلق بالظروف المهنية لمعلمات محو الأمية اللاتي يحملن على عاتقهن مسؤولية تعليم فئة مهمة من المجتمع والمساهمة في أداء رسالة تربوية وإنسانية نبيلة.
وباستعراض بدايات مسيرة التعليم في سلطنة عمان ندرك حجم الجهد الذي بذلته الدولة في سبيل نشر العلم ومكافحة الأمية، فقد شهدت السنوات الأولى للنهضة المباركة توسعاً في إنشاء المدارس وفتح مراكز تعليم الكبار في مختلف الولايات والقرى بهدف إيصال التعليم إلى كل من حرم منه في مرحلة سابقة، ولم تكن برامج محو الأمية مجرد فصول لتعليم القراءة والكتابة، بل كانت بوابة لمواصلة التعليم واكتساب المعرفة. وقد أسهمت هذه الجهود في خفض معدلات الأمية ورفع مستوى الوعي بين أفراد المجتمع وتعزيز مشاركتهم في مسيرة التنمية.
وإذا كانت الدولة في تلك المرحلة قد نجحت في مواجهة تحدي الأمية من خلال توفير المدارس والمعلمين والمناهج التعليمية فإن المرحلة الحالية تتطلب استكمال تلك الجهود من خلال معالجة بعض التحديات الميدانية التي ما زالت تواجه القائمين على هذه البرامج والمستفيدين منها. فالنجاح الذي تحقق خلال العقود الماضية يستحق أن يحافظ عليه وأن يدعم بما يضمن استمراره وتطوره.
ولعل من أبرز هذه التحديات ما تواجهه معلمات محو الأمية اللاتي يحملن على عاتقهن مسؤولية تعليم الدارسات ومساندتهن في مواصلة التعلم، ومع ذلك فإن الكثير منهن يعملن في ظروف لا تتناسب مع حجم هذه المسؤولية، فالعقود المؤقتة وغياب الاستقرار الوظيفي وتدني الأجور مقارنة بالجهد المبذول تشكل تحديات حقيقية تواجه هذه الفئة، كما أن عدم وجود بدلات للنقل يزيد من الأعباء المالية خاصة لمن يقطعن مسافات طويلة للوصول إلى مراكز التعليم. وإلى جانب ذلك تتحمل بعض المعلمات تكاليف إعداد المواد التعليمية ونسخ الأوراق وطباعتها من حساباتهن الخاصة حرصاً منهن على استمرار العملية التعليمية وتوفير ما تحتاجه الدارسات من وسائل مساندة.
ولا تقف التحديات عند المعلمات وحدهن، بل تمتد إلى الدارسات اللاتي يلتحقن بهذه البرامج أملاً في اكتساب العلم والمعرفة وتعويض ما فاتهن من فرص التعليم. فبعضهن يواجهن صعوبات تتعلق ببعد المسافة بين المنزل ومقر الدراسة، في حين تشكل تكاليف النقل عبئاً إضافياً على أخريات، خاصة في المناطق التي تتباعد فيها التجمعات السكانية أو تقل فيها وسائل المواصلات.
ورغم هذه التحديات فإن الرغبة في التعلم ما زالت حاضرة لدى كثير من الدارسات. فهناك من تحرص على حضور الدروس بانتظام رغم مسؤولياتها الأسرية وظروفها المعيشية. وهناك من تجد في التعليم فرصة لتطوير ذاتها وتعزيز ثقتها بنفسها ومساعدتها على التعامل مع متطلبات الحياة اليومية بصورة أفضل. غير أن استمرار هذه الرغبة يحتاج إلى بيئة تعليمية تساعد على الاستمرار وتذلل العقبات التي قد تعترض طريقها، وقد عبرت إحدى الدارسات عن فرحتها بالالتحاق ببرنامج محو الأمية أملاً في اكتساب العلم والمعرفة، إلا أن عدم توفر وسيلة نقل مناسبة كان يشكل عائقاً أمام انتظامها في الدراسة. وهي صورة تعكس جانباً من التحديات التي تواجه بعض الدارسات في عدد من المناطق.
ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى برامج محو الأمية باعتبارها منظومة متكاملة لا تقتصر على توفير المعلمة والمنهج الدراسي ومقر الدراسة.
فنجاح هذه البرامج يرتبط أيضاً بتهيئة الظروف التي تساعد المعلمة على أداء رسالتها وتمكن الدارسة من الوصول إلى مقعد التعلم والاستفادة من الفرصة المتاحة لها.
ولعل من المناسب دراسة السبل الكفيلة بدعم برامج محو الأمية وتعزيز أثرها من خلال تحسين أوضاع المعلمات وتوفير الحوافز المناسبة لهن، إلى جانب التخفيف من أعباء النقل وتوفير المستلزمات التعليمية الأساسية داخل مراكز الدراسة.
فمثل هذه الإجراءات من شأنها أن تسهم في توفير بيئة تعليمية أكثر استقراراً وأن تعز قدرة الدارسات على الاستمرار وتحقيق الاستفادة المرجوة.
لقد قطعت سلطنة عمان شوطاً كبيراً في مجال التعليم ومحو الأمية منذ انطلاق النهضة المباركة، وتمكنت بفضل الجهود المتواصلة من فتح أبواب العلم أمام آلاف المواطنين والمواطنات الذين حرموا من فرص التعليم في مراحل سابقة.
وما تحقق خلال العقود الماضية يعد إنجازاً وطنياً يستحق المحافظة عليه والبناء عليه من خلال مواصلة تطوير هذه البرامج بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الحالية، فالتحديات التي تواجه بعض معلمات محو الأمية والدارسات لا تنتقص من قيمة ما تحقق، بل تؤكد أهمية استكمال مسيرة النجاح وتعزيزها، وستبقى برامج محو الأمية رسالة وطنية نبيلة تحمل في أهدافها معاني العطاء والتمكين وبناء الإنسان، وتستحق كل دعم ورعاية حتى تواصل أداء دورها في خدمة المجتمع وترسيخ مكانة العلم بوصفه أساس النهضة والتقدم.



