مقالات صحفية

الفقير والسياحة الموسمية

حمدان بن سعيد العلوي
مدرب ومفكر ومحلل إعلامي

مع بداية كل صيف، تنقسم الأسر إلى قسمين:
قسم يبحث عن تذاكر السفر والماركات من الملابس والحقائب وغيرها، ويفكر في الوجهات السياحية، وقسم يبحث عن تهدئة الأعصاب بين الأدوية وعبارات القناعة.

أبناء المقتدرين يتناقشون في خطة قضاء الرحلة المقسمة على أيامها، بينما أبناء الفقير يتناقشون في تكلفة البنزين والمبيت إذا ما قرروا الذهاب إلى المدينة الفلانية، إضافة إلى تكاليف التغذية، وهل سيكفي مصروف هذا الشهر لنهايته لو قرروا الذهاب في نزهة.

كل مساء يتابع أبناء الفقير حسابات “السوشيال ميديا” لأبناء الجيران وهم يتنقلون بين المطارات والفنادق والمنتجعات، ثم يلتفتون إلى والدهم بنظرة بريئة تحمل سؤالاً واحداً: متى سنسافر مثلهم؟

يبتسم الأب ابتسامة يخفي خلفها ألف ألم، ويفكر في طريقة تخفي آثار وجع العجز، ويبدأ بشرح الظروف الاقتصادية وتقلبات الأسواق وارتفاع الأسعار لأطفال لم يتجاوز أكبرهم العاشرة.

المشكلة ليست في أن الفقير لا يحب السفر، بل في أن راتبه يسافر قبله. يبحث في حسابه البنكي وكأنه محلل اقتصادي، ناهيك عن إيجار البيت إن كان لا يملك مسكناً، ثم الأقساط، ثم فواتير الخدمات الأخرى، ويعجز تفكيره عن إيجاد طريقة يوفر بها سبل المعيشة قبل نفقات السفر أو حتى السياحة الداخلية.

في المقابل، هناك فئة أخرى تعيش الحال والأوضاع المعيشية نفسها، وهي فئة أصحاب المظاهر. هؤلاء لا يملكون تكلفة الرحلة، لكن لديهم شجاعة الاقتراض من أجل صورة أمام برج مشهور أو مقطع فيديو يوثق الإفطار في فندق فاخر.
يعودون محملين بالصور وأثقال الديون معاً، فتبدو حساباتهم البنكية أشبه بمناطق منكوبة تستدعي المساعدات العاجلة.

المفارقة هنا أن أبناء الفقير قد يحزنون لأنهم لم يسافروا، بينما أبناء بعض أصحاب المظاهر قد يدفعون ثمن تلك الرحلات سنوات من الأقساط والالتزامات والعجز عن توفير أبسط الاحتياجات فيما بعد.
في النهاية، يبقى الأب المتزن الذي لم يقترض من أجل نشوة مؤقتة، ولم يعرض راحة أسرته للخطر مقابل بضعة إعجابات إلكترونية، أباً مثالياً لا يراه أحد، كالجندي المجهول.

فليس الإنجاز بعدد الدول التي زرتها، ولا كل مقطع أو صورة تعني رفاهية حقيقية؛ فبعض الناس يسافرون للسياحة، وبعضهم يسافرون لإقناع الآخرين أنهم بخير.

ويبقى ابن الفقير حائراً لا يعرف سبب الفارق بينه وبين أبناء الجيران، ويعتقد أنه أقل شأناً من غيره؛ فهو لا يزال صغيراً لا يفكر فيما يفكر فيه الكبار، ولا يرى سوى أنه لم يقضِ إجازته إلا بين الجدران وحدائق ومتنزهات قريبة.

كان الله في عون كل فقير يبحث عن أن يسد أبسط احتياجات أسرته، ويعيش بين ألم الفقر ومرارة المقارنات.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights