مقالات صحفية

وحده محمد إبراهيم شريف أم المترجمين وسفيرة لغة الإشارة

حمدان بن هاشل العدوي
عضو الجمعية العمانية للأشخاص ذوي الإعاقة
عضو الجمعية العمانية للكتاب والأدباء

حين يُذكر العطاء الصادق في مجال الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، وحين يُستحضر الحديث عن رواد لغة الإشارة في سلطنة عُمان والعالم العربي، يبرز اسم الأستاذة وحده محمد إبراهيم شريف بوصفها واحدة من الشخصيات التي كرست أكثر من ثلاثة عقود من عمرها لخدمة الأشخاص الصم، وإعداد أجيال من المترجمين والمدربين، ونشر ثقافة لغة الإشارة في المجتمع.

فبعض الشخصيات لا تُقاس بما شغلته من مناصب أو بما حصلت عليه من شهادات، وإنما بما تركته من أثر في حياة الآخرين، والأستاذة وحده شريف واحدة من هذه النماذج الملهمة التي صنعت أثرًا إنسانيًا ومهنيًا ممتدًا.

تحمل الأستاذة وحده شريف مؤهلات أكاديمية متنوعة، فقد حصلت على بكالوريوس إدارة الأعمال من جامعة القاهرة فرع الخرطوم، ودبلوم التربية من كلية معلمات أم درمان، إضافة إلى دبلوم كلية الزراعة من جامعة الخرطوم، وهو تنوع أسهم في بناء شخصية مهنية جمعت بين الخبرة التربوية والإدارية والإنسانية.

بدأت مسيرتها المهنية في السودان، حيث عملت معلمة ثم مديرة لمعهد الأمل لتعليم وتأهيل الصم بالخرطوم، وأسهمت في تطوير البرامج التعليمية والتأهيلية، كما أنشأت قسمًا للتأهيل المهني للشباب والفتيات من الصم بهدف تمكينهم من الاعتماد على أنفسهم والاندماج في المجتمع.

كما عملت مترجمة للغة الإشارة في المحاكم والمستشفيات والفعاليات الرسمية ووسائل الإعلام، لتكون حلقة وصل بين الأشخاص الصم ومؤسسات المجتمع المختلفة، ومدافعة عن حقهم في الوصول إلى الخدمات والمعلومات دون عوائق.

وفي سلطنة عُمان، واصلت رسالتها الإنسانية من خلال الجمعية العمانية للأشخاص ذوي الإعاقة، حيث عملت خبيرة تدريب لإعداد مدربي ومترجمي لغة الإشارة العربية، وأسهمت في تنفيذ برامج تدريبية متخصصة أثمرت عن تأهيل كوادر وطنية أصبحت اليوم تمارس الترجمة والتدريب في مختلف المؤسسات.

كما شاركت في تدريب مترجمي لغة الإشارة في تلفزيون سلطنة عُمان، والعاملين في الجهات الحكومية وشرطة عُمان السلطانية والمؤسسات الأهلية والمتطوعين، إلى جانب تنفيذ برامج تدريبية في مختلف محافظات السلطنة بهدف نشر ثقافة لغة الإشارة وتعزيز التواصل مع الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية.

ولم تقتصر جهودها على التدريب، بل أسهمت في إعداد معجم مقروء ومرئي للغة الإشارة، وشاركت في تدريب المختصين على القاموس الإشاري العربي الموحد، إضافة إلى مشاركاتها العلمية في المؤتمرات والملتقيات المتخصصة داخل السلطنة وخارجها.

وتشغل الأستاذة وحده شريف عضوية مجلس إدارة الاتحاد العربي للهيئات العاملة في رعاية الصم، كما أنها عضو منتسب بصفة مترجمة في منظمة صلة، وهو ما يعكس مكانتها المهنية وخبرتها الطويلة في هذا المجال.

غير أن الإنجاز الأهم في مسيرتها يتمثل في الأثر الذي تركته في نفوس تلاميذها والمتدربين على يديها، والذين أصبح كثير منهم اليوم مترجمين ومدربين وخبراء في لغة الإشارة.

فالمترجمة أمل بنت سالم بني عرابة تؤكد أن الأستاذة وحده كانت أول من أخذ بيدها إلى عالم لغة الإشارة وغرست فيها حب هذا المجال حتى أصبحت مترجمة معتمدة. كما يصفها المترجم سبيحان بن ناشر السعدي بالمعلمة الصبورة التي لم تدخر جهدًا في تعليم طلابها.

وتؤكد المترجمة أصيلة بنت صالح المعشرية أنها تعلمت على يديها منذ عام 2002م حتى أصبحت مترجمة للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، فيما تعبّر المترجمة موزة بنت سالم الغافرية عن امتنانها لأستاذتها التي منحتها الثقة والقدرة على حمل رسالة الترجمة. ويرى المدرب والمترجم راشد بن سالم البداعي أن الفضل، بعد الله، يعود إليها في تمكينه من مهارات لغة الإشارة حتى أصبح مدربًا ومترجمًا في هذا المجال.

ومن الشهادات اللافتة شهادة مترجم لغة الإشارة والناشط الحقوقي حسان علي أحمد من الولايات المتحدة الأمريكية، الذي يروي أن نقطة التحول في مسيرته المهنية بدأت عام 2007م عندما التقى بالأستاذة وحده شريف في الخرطوم، مؤكدًا أنه تعلم منها ليس لغة الإشارة فحسب، بل أخلاقيات المهنة ومعنى الالتزام والمسؤولية تجاه الأشخاص الصم.

كما يستذكر كلماتها له يوم تخرجه حين قالت: «سيكون لك شأن في هذا المجال»، وهي كلمات بقيت حاضرة في ذاكرته طوال مسيرته المهنية، قبل أن تدعوه لاحقًا للمشاركة في إحدى الدورات التدريبية بسلطنة عُمان، وهي تجربة شكلت محطة مهمة في حياته المهنية.

وعلى المستوى المؤسسي، وصفت الأستاذة مطلوبة بنت خلفان البلوشية، نائبة رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للأشخاص ذوي الإعاقة، الأستاذة وحده شريف بأنها من الشخصيات الرائدة في مجال لغة الإشارة في سلطنة عُمان، مشيدة بإسهاماتها الكبيرة في إعداد وتأهيل أجيال من المترجمين والمترجمات ونشر الوعي المجتمعي بلغة الإشارة.

إن المتأمل في هذه المسيرة يدرك أن الأستاذة وحده محمد إبراهيم شريف لم تكن مجرد معلمة أو مدربة أو مترجمة، بل كانت مدرسة متكاملة أسهمت في بناء جسور التواصل بين الأشخاص الصم ومجتمعهم، وغرست في نفوس تلاميذها قيم العلم والعطاء والالتزام.

ولعل وصفها بـ«أم المترجمين» لم يأتِ من فراغ، فقد كانت بالنسبة لكثير من تلاميذها معلمة ومرشدة وأمًا روحية قبل أن تكون مدربة، ولذلك بقي أثرها ممتدًا في كل مترجم ومدرب يحمل اليوم رسالتها ويواصل ما بدأته من عطاء.

وبعد أكثر من ثلاثين عامًا من العمل المتواصل، تبقى الأستاذة وحده محمد إبراهيم شريف نموذجًا للإنسان الذي جعل من علمه رسالة، ومن خبرته خدمة، ومن نجاحه وسيلة لتمكين الآخرين. إنها سيرة امرأة أسهمت في منح الآلاف فرصة أفضل للتواصل والمشاركة والاندماج، لتبقى واحدة من الشخصيات الرائدة التي تستحق التقدير والتوثيق والاحتفاء.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights