مقالات صحفية

التقاعد ليس نهاية الطريق بل بداية فصل جديد من الحياة

التقاعد يطوي صفحة الوظيفة لكنه لا يطوي صفحة الرسالة

علي بن مبارك اليعربي

يستقبل الناس التقاعد بطرق مختلفة. فهناك من يراه راحة مستحقة بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء، وهناك من يستقبله بشيء من القلق والخوف والترقب، وكأن مرحلة مهمة من حياته قد أوشكت على الانتهاء.
ولعل هذا الشعور مفهوم إلى حد كبير، فالتقاعد يمثل تحولاً كبيراً في حياة الإنسان. فهو انتقال من نمط اعتاده لسنوات طويلة إلى واقع جديد يحتاج إلى التكيف معه وإعادة اكتشاف أبعاده وفرصه.
غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في التقاعد نفسه، وإنما في الطريقة التي ننظر بها إليه. فحين يقتنع الإنسان أن قيمته مرتبطة بوظيفته فقط، يصبح التقاعد بالنسبة له خسارة كبيرة. أما حين يدرك أن الوظيفة كانت إحدى وسائل العطاء وليست العطاء كله، فإنه ينظر إلى التقاعد بوصفه بداية مرحلة جديدة لا نهاية مرحلة سابقة فحسب.
لقد أمضى كثير من المتقاعدين سنوات طويلة وهم يؤدون واجباتهم المهنية بإخلاص، واكتسبوا خلال تلك السنوات خبرات متنوعة ومعارف متراكمة وعلاقات إنسانية واسعة. وهذه الثروة لا تنتهي بمجرد انتهاء الخدمة الوظيفية، بل تبقى رصيداً يمكن استثماره في مجالات جديدة ومتعددة.
ومن المؤسف أن بعض الناس يحصرون معنى التقاعد في التوقف عن العمل، بينما الحقيقة أن الإنسان لا يتقاعد عن التفكير، ولا عن التعلم، ولا عن خدمة وطنه ومجتمعه، ولا عن أداء رسالته تجاه أسرته ومن حوله. فالعطاء لا يرتبط ببطاقة وظيفية، وإنما يرتبط بالإرادة والشعور بالمسؤولية.
ولعل من أهم ما يميز مرحلة التقاعد أنها تمنح الإنسان شيئاً كان يفتقده خلال سنوات العمل، وهو الوقت. وهذا الوقت قد يتحول إلى نعمة عظيمة إذا أحسن صاحبه استثماره، وقد يصبح عبئاً ثقيلاً إذا استسلم للفراغ والعزلة وانتظار الأيام.
إن كثيراً من الأحلام المؤجلة يمكن أن تجد طريقها إلى التحقيق بعد التقاعد. فهناك من عاد إلى مقاعد الدراسة، وهناك من اتجه إلى القراءة والبحث والكتابة، وهناك من انخرط في العمل التطوعي وخدمة المجتمع، وهناك من وجد في هذه المرحلة فرصة لتعزيز علاقاته الأسرية والاجتماعية، وممارسة هوايات لم تسمح له ظروف العمل بممارستها من قبل.
ومن خلال تأمل تجارب العديد من المتقاعدين الناجحين، نكتشف أن العامل المشترك بينهم ليس حجم الدخل أو نوع الوظيفة التي شغلوها سابقاً، وإنما قدرتهم على النظر إلى التقاعد بوصفه فرصة للتجدد لا مناسبة للتراجع. لقد انتقلوا من أداء المهام إلى صناعة الأثر، ومن الالتزام الوظيفي إلى المبادرات الذاتية، ومن انتظار الفرص إلى صناعتها.
كما أن المجتمع نفسه مطالب بإعادة النظر في نظرته إلى المتقاعد. فالمتقاعد ليس شخصاً انتهى دوره، بل هو رصيد من الخبرة والمعرفة والحكمة. وإن من الخسارة أن تُترك هذه الخبرات دون استثمار أو توجيه أو إتاحة الفرصة لها للإسهام في بناء المجتمع وتنمية أفراده.
إن التقاعد ليس مرحلة للانسحاب من الحياة، بل مرحلة لإعادة ترتيبها. وليس إعلاناً لنهاية العطاء، بل دعوة لاكتشاف أشكال جديدة منه. وقد تكون هذه المرحلة أكثر نضجاً وحرية وعمقاً من المراحل السابقة، لأنها تقوم على الخبرة المتراكمة والاختيار الحر بعيداً عن الالتزامات الوظيفية اليومية.
ولعل أجمل ما في هذه المرحلة أنها تمنح الإنسان فرصة ليراجع أحلامه المؤجلة ويعيد اكتشاف قدراته الكامنة. فكم من إنسان وجد بعد التقاعد الوقت الذي افتقده للتعلم أو البحث أو المشاركة المجتمعية أو خدمة الآخرين، فكانت سنوات ما بعد الوظيفة أكثر عطاء وتأثيراً من سنوات الوظيفة نفسها.
إن الإنسان لا يتقاعد عن الأخلاق، ولا عن العلم، ولا عن خدمة وطنه، ولا عن مسؤوليته تجاه مجتمعه وأسرته. وقد يتقاعد من وظيفة رسمية، لكنه يبقى قادراً على أداء رسالته ما دام يمتلك الإرادة والرغبة في العطاء.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه كل متقاعد على نفسه: ماذا سأفعل بما أملكه من وقت وخبرة ومعرفة؟
فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كان التقاعد نهاية طريق أم بداية فصل جديد من الحياة.
إن التقاعد يطوي صفحة الوظيفة، لكنه لا يطوي صفحة الرسالة. فالأعمال تنتهي، أما الأثر الطيب فيبقى. والمناصب تتغير، أما القيمة الحقيقية للإنسان فتظل فيما يقدمه من نفع وخير وعطاء.
ومن أحسن استثمار هذه المرحلة، لم ينظر إلى التقاعد باعتباره خاتمة الطريق، بل اعتبره بداية فصل جديد من الحياة، تُكتب صفحاته بالحكمة والخبرة والأمل، ويُقاس نجاحه بما يتركه الإنسان من أثر بعده لا بما كان يحمله من منصب قبله.
فالمناصب مراحل عابرة، أما الرسائل الصادقة فتبقى ما بقي أثرها في النفوس والحياة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights