مقالات صحفية

بين صخب الآراء وغياب المعرفة

أحمد الفقيه العجيلي

لا تُقاس قوة الدول اليوم بما تملكه من جيوش واقتصادات فقط، بل بما تملكه من قدرة على فهم العالم من حولها .. ولهذا لم تعد مراكز الدراسات والبحوث مجرد مؤسسات أكاديمية منعزلة، بل أصبحت جزءًا من صناعة القرار وإعداد الكفاءات وقراءة التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات.

ومن يتابع تجارب الدول التي استطاعت أن تفرض حضورها في السياسة أو الاقتصاد أو حتى في الصراعات الإقليمية، يلاحظ أن خلف المشهد شبكة واسعة من الجامعات ومراكز البحث وحركة الترجمة والدراسات المتخصصة.. فالمعرفة لا تتشكل صدفة، ولا تُبنى في موسم سياسي عابر، بل هي حصيلة عمل طويل يتراكم عامًا بعد عام.

وأثناء متابعتي للنقاشات التي رافقت المواجهة الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، وما تبعها من تحليلات وبرامج حوارية على الشاشات العربية، لفت انتباهي أمر تكرر في تعليقات كثير من المشاهدين.

لم يكن النقاش حول المواقف السياسية بقدر ما كان حول مستوى الإحاطة والمعرفة التي ظهر بها بعض الضيوف.

فقد بدا بعض المحللين الإيرانيين مطلعين على تفاصيل تتعلق بالمجتمع الإسرائيلي، والخلافات داخل مؤسساته السياسية، وآليات صناعة القرار في الولايات المتحدة، وتوازنات القوى في المنطقة.
كانوا ينتقلون بين الوقائع والسوابق التاريخية والسيناريوهات المحتملة بسلاسة توحي بأن ما يقدمونه ليس مجرد آراء شخصية، بل ثمرة متابعة ودراسة تراكمت عبر سنوات.

وأعترف أن ما شد انتباهي لم يكن الآراء نفسها، بل الطريق الطويل الذي أوصل أصحابها إليها.

فالمحلل لا يولد أمام شاشة تلفزيونية، ولا يصنع نفسه بنفسه.
خلف كل اسم يلفت الانتباه سنوات من القراءة والبحث، وخلفه أيضًا مؤسسات وجامعات ومراكز دراسات توفر له المادة التي يبني عليها فهمه وتحليله.

في إحدى الحلقات أثار باحث عربي معروف جدلًا واسعًا عندما قدم قراءة رأى فيها أن سلوك إيران في مرحلة معينة كان أكثر خطورة من سلوك إسرائيل.

وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا الطرح، فقد كان طبيعيًا أن يثير ردود فعل غاضبة ومستغربة، خاصة أن المتحدث ينتمي إلى بلد عانى كثيرًا من الحروب والصراعات والتدخلات الإقليمية.

وسرعان ما تحول النقاش إلى مقاطعات واعتراضات متبادلة، وانتهى الوقت قبل أن تتضح الصورة أو يكتمل النقاش.

لم أخرج من تلك الحلقة مقتنعًا بالرأي الذي طُرح، لكنني خرجت بملاحظة أخرى.

فوسط الضجيج والاعتراضات بدا أن الجدل يتقدم على المعرفة، وأن المواقف الجاهزة تحضر أحيانًا أسرع من الوقائع التي يفترض أن تُبنى عليها الأحكام.

هذه الملاحظة أعادتني إلى سؤال قديم:

هل مشكلتنا فعلًا في المثقف، أم في البيئة التي يفترض أن تصنعه؟

قبل فترة كتبت عن “مثقف السوق” الذي يكيّف خطابه بما ينسجم مع مصالحه أو مع متطلبات الحضور والانتشار، وكتبت أيضًا عن “مثقف الزاوية” الذي اختار الابتعاد عن المجال العام بعدما فقد ثقته في جدوى المشاركة.

لكنني أرى أن الصورة أكبر من ذلك.

فحين تضعف مراكز البحث، وتتراجع حركة الترجمة، ويغيب الاستثمار الجاد في المعرفة، يصبح من الصعب أن نتوقع ظهور أعداد كافية من الباحثين القادرين على فهم المجتمعات الأخرى وتحليل سياساتها وتحولاتها.

وعندها نجد أنفسنا نستهلك ما ينتجه الآخرون أكثر مما ننتج نحن، ونعلق على الأحداث أكثر مما نفسرها.

وأثناء متابعتي لأحد الحوارات للمفكر فهمي هويدي، استوقفتني فكرته حول أثر تضييق المجال العام في العالم العربي.

يومها كنت أفهم المسألة في إطارها السياسي المرتبط بالحريات وحدود المسموح والممنوع، لكنني أراها اليوم من زاوية أوسع.

فالمجال العام حين يضيق لا تتراجع حرية التعبير فقط، بل تتأثر البيئة التي تُنتج المعرفة نفسها. وعندما تضعف هذه البيئة يصبح من الطبيعي أن تكثر الآراء ويقل البحث، وأن يتقدم الجدل على الفهم، وأن يضيق حضور المتخصصين لصالح الأصوات الأعلى ضجيجًا.

وأنا أتابع تلك الحوارات لم يكن يشغلني من ربح النقاش ومن خسره، ولا أي الضيوف كان أكثر حضورًا أمام الكاميرا.

ما بقي عالقًا في ذهني كان سؤالًا مختلفًا:

كم من الوقت احتاج هذا الباحث أو ذاك ليصل إلى هذا المستوى من الإحاطة؟

وكم مؤسسة وقفت خلفه؟

وكم كتابًا ودراسة وملفًا مر بين يديه قبل أن يجلس أمام الشاشة؟

يومها شعرت أن الفارق الحقيقي لم يكن بين ضيف عربي وآخر إيراني، ولا بين رأي ورأي، بل بين بيئة تستثمر في المعرفة منذ سنوات طويلة، وبيئة ما زالت تؤجل هذا الملف أو تتعامل معه باعتباره أمرًا يمكن الاستغناء عنه.

ولهذا ربما لا تبدأ نهضة الوعي من الشاشة التي نشاهدها كل مساء، بل من الأماكن الأقل ظهورًا؛ من مكتبة، أو مركز بحث، أو باحث شاب يجد من يدعمه ليقضي سنوات من عمره في فهم سؤال واحد بعمق، بدل أن يقضيها متنقلًا بين الأسئلة كلها دون أن يصل إلى شيء.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights