مقالات صحفية

تأملات في دمعة المودع إلى مكة

   حسين بن علي الدروشي 

ثمة لحظات في العمر يتوقف عندها الزمن، وتتلاشى أمام جلالها كل مظاهر القوة والمهابة الإنسانية. هي تلك اللحظة التي تُمسك فيها هاتفك، أو تقف وجهاً لوجه أمام صديق عمر، رفيق دراسة، زميل عمل، أو أخٍ وأختٍ قاسموك تفاصيل الحياة، لتقول لهم بنبرةٍ يملؤها الشجن: بعد يوم.. سأرحل إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج .

في تلك الثانية تحديداً، يحدث أمرٌ عجيب في دواخلنا. تختفي هيبة المرء المصطنعة، وتذوب القوة التي نواجه بها الأيام، ليحلّ محلها شعورٌ غريب بالضعف والسكينة، وتفيض الأعين بدموع لا نملك دفعها، ويقشعر البدن كأنما يتهيأ لشيء أعظم من استيعاب العقل البشري.

لماذا تبكينا هذه الكلمات؟ ولماذا تهتز أركاننا عند الوداع؟

إنها ليست رحلة سياحية، ولا سفراً عابراً لطلب دنيا؛ إنها الرحلة إلى الله . هي إعلان الانقطاع عن مشاغل الأرض والتوجه بكليتنا إلى مالك الملك. حين نودع الأصدقاء، نحن لا نودعهم لمسافة جغرافية، بل نودع فيهم أنفسنا القديمة لنذهب ونولد من جديد.

هذا الشعور الضعيف والمشتاق في آن واحد، هو استجابة الروح لنداء قديم ضرب في عمق التاريخ، نداء الخليل إبراهيم عليه السلام، وامتثال لقول الله تعالى:

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾

حين تتذكر أن الله اصطفاك أنت من بين الملايين، ومنحك “السبيل” والقدرة لتكون من وفده هذا العام، يرتجف قلبك هيبةً وشكراً، وتدرك كم أنت صغير وضعيف أمام هذا الكرم الإلهي العظيم.

أجمل ما في هذه اللحظات، وأكثر ما يثير الشجن في النفس، هي تلك المشاعر المتناقضة التي تلمسها في عيون من تودعهم. ترى في عين الزميل والرفيق فرحةً غامرة بخبر ذهابك، فرحة صادقة ونقية، كأنه هو من حزم أمتعته وهو من شد الرحال.

في المقابل، يلامس قلبك حزنٌ شفيف؛ لأنك ترى في مآقيهم توقاً جارفاً لتلك البقاع، وتدرك أنك تحمل على كتفيك أحلامهم وأمنياتهم التي لم تتهيأ لها الأسباب بعد.

أنت لا تسافر وحدك؛ بل تأخذ معك قلوباً علّقت رجاءها بـ “دعوة مستجابة” تحت استار الكعبة، أو على صعيد عرفات الطاهر.

حين يقشعر بدنك وأنت تخبرهم بالرحيل، فإنك تشعر بـ ثقل الأمانة. أمانة الحب الصادق، وأمانة الوفاء لسنوات الدراسة والتعب، ولأيام العمل والزمالة. تختلط الدموع لأنك تعدهم في داخلك بأن أسماءهم ستكون حاضرة في سجداتك، وأنك لن تنساهم حيث تُغفر الذنوب وتُسكب العبرات.

إن هذا الضعف الذي يعترينا عند الوداع هو “أعلى درجات القوة الروحية”، هو انكسار العبد وتجرده من كبريائه ليقف غداً في طابور الملبين، حاسر الرأس، يرتدي كفناً أبيض، هاتفاً: “لبيك اللهم لبيك”.

نسأل الله العلي القدير، رب العرش العظيم، أن يوفقنا في هذه الرحلة المباركة، وأن ييسر لنا سبلها، ويتقبل منا مناسكها.

اللهم اجعلنا مستجابي الدعوة، وأكرمنا بأن نرفع أكف الضراعة باسم كل صديق، ورفيق، وأخ، وأخت، وزميل عمل سألنا الدعاء أو فرح لذهابنا. اللهم لا تحرمهم الأجر، واكتب لهم زيارة بيتك الحرام أعواماً عديدة وأزمنة مديدة، واجمعنا بهم دائماً على خير في الدنيا والآخرة.

استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.. وإلى لقاءٍ قريب على طاعة الله.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights