السيدة عهد بنت عبدالله البوسعيدية
المنتصر بن زهران الرقيشي
في أقصى الشمال، حيث تنحني اليابسة لتلامس ماءً يعبر العالم، وحيث تضيق الجغرافيا لتتسع في معناها، وصلت عهد بنت عبدالله البوسعيدية إلى مسندم.
هناك، كان المستشفى نبضًا يُعاد بثّه في جسد المكان، كأن العناية حين تُغرس في أرض بعيدة، تختصر المسافات بين المركز والهامش، وتقول إن الطريق إلى الإنسان يُقاس بالإرادة. في خصب، بدا المشهد أكثر من تجهيزات حديثة وأقسام طبية؛ كان إعلانًا صامتًا أن الصحة، حين تُؤمَّن في أطراف الجغرافيا، تتحول إلى معنى من معاني السيادة.
وعلى امتداد الطريق، حيث يشق الإسفلت تضاريس صعبة، كان مشروع طريق السلطان فيصل بن تركي بمثابة حكاية اتصال تُكتب بين عزلةٍ كانت، وحركةٍ تُراد لها أن تكون. الطريق في مسندم في وقاعه خيطًا ينسج علاقة جديدة بين المكان ونفسه، وبين الإنسان ويومه، وبين المحافظة وبقية الوطن.
وفي خليج أيمس (وما أجمله)، حيث يتكئ الجمال على زرقة لا تنتهي، بدت الإطلالة وكأنها وعدٌ يُصاغ بهدوء، ليس كل ما يُرى يُستثمر، وليس كل جمال يتحول إلى قيمة، غير أن اليد التي تعرف كيف توازن بين الطبيعة والرؤية، قادرة على أن تجعل من المشهد اقتصادًا، ومن الصمت فرصة، ومن البحر بابًا مفتوحًا على ما هو أبعد من الأفق.
وفي لقاء الكوادر، حيث تختفي الرسميات لصالح الإنسان، كان المشهد أكثر وضوحًا؛ دولة تُصغي، وتقترب، وتختبر جاهزيتها عبر من يحملون عبء التنفيذ. كان اللقاء إجراءً بروتوكوليًا وامتد ليكون مرحلة قياس صادقة بين ما يُخطط وما يُنجز، بين الفكرة ووقعها على الأرض.
مسندم، في هذا السياق موقعٌ يفرض حضوره على من يمرّ ومن يراقب. حين تُستثمر، فإن الاستثمار لا يبقى محليًا، بل يتردد صداه خارج الحدود، في حسابات لا تُعلن كثيرًا، لكنها تُفهم جيدًا.
وفي كل هذه التفاصيل، كان الحضور هادئًا، يمضي بثقة من يعرف أن الأثر لا يحتاج إلى إعلان، كانت الزيارة في جوهرها اثباتا ان عُمان بكل تاريخها ماضية قُدما في بناء الإنسان العُماني، فلا صخب ولا تغطية إعلامية مبهرة، مرت بكل هدوء ولكنها انتجت نتاجاً عظيماً.
هكذا تُكتب الدول حين تفهم جغرافيتها، وهكذا تُدار الأطراف حين تتحول إلى قلب في التفكير وفي مسندم، بدا المشهد واضحًا: ما يُبنى هناك ليس مشروعًا، هو يقينًا بأن الدولة التي تصل إلى أقصاها، تملك أن تقف بثبات في مركزها.



