النرجسية الحديثة
بدرية بنت محمد الناعبية
الإنسان بطبيعته يحب أن يُرى، وأن يشعر بأن وجوده مهم، وأن هناك من يقدّر جهده وكلامه ومشاعره. لذلك يفرح بالاهتمام، ويتأثر بالكلمة الطيبة، ويشعر بقيمة نفسه عندما يجد التقدير من الآخرين. لكن المشكلة تبدأ حين يربط الإنسان قيمته بالكامل بهذا الاهتمام، فيصبح مزاجه وثقته بنفسه مرتبطين بحضور الناس أو غيابهم.
وقد تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحة تؤثر بعمق في تشكيل الوعي والسلوك، ما يثير تساؤلًا مهمًا: هل أسهمت السوشيال ميديا في دفع جيل كامل نحو النرجسية؟
فالبحث الدائم عن الإعجاب، وربط القيمة الذاتية بعدد المتابعين والمشاهدات، والانشغال بالصورة والانطباع على حساب الحياة الحقيقية، كلها مظاهر باتت أكثر حضورًا اليوم. فكثير من الناس أصبحوا يعيشون اللحظة بعين الكاميرا قبل أن يعيشوها بقلوبهم، ويفكرون في كيفية ظهورهم أمام الآخرين أكثر من تفكيرهم فيما يشعرون به فعلًا.
وأصبح بعضهم بحاجة دائمة لمن يقول له: «أنت الأفضل، أنت الأغنى، أنت الأجمل». وحين يتوقف هذا التأكيد، أو يتأخر، يشعر بفراغ حاد وقلق خفي يدفعه إلى البحث عنه من جديد بأي وسيلة. لذلك تجده كثير الحديث عن إنجازاته، شديد الحساسية تجاه النقد، سريع الانزعاج من التجاهل، لأن تقديره لذاته لم يُبنَ من الداخل، بل تشكّل على يد آراء الآخرين.
الواقع المزيّف وفخ المقارنة
وقد لعبت المنصات الرقمية دورًا محوريًا في تضخيم المقارنات الاجتماعية، إذ لا يُعرض فيها الواقع كاملًا، بل أجمل أجزائه وأكثرها نجاحًا فقط. يرى الشاب صور السفر والسيارات والعلاقات المثالية والإنجازات المتتالية، دون أن يرى التعب أو الفشل أو الضغوط المختبئة خلف تلك الصور. ومع التكرار اليومي، يبدأ العقل في بناء شعور خفي بأن الجميع يعيشون حياة أفضل وأكثر اكتمالًا، فيتحول التصفح العادي إلى مقارنة صامتة تستنزف الرضا الداخلي.
نحو علاقة أكثر صحة مع الذات
من هنا، يغدو الوعي ضرورة لا ترفًا؛ وعي الشباب بأن الحياة ليست منافسة مفتوحة تديرها المنصات، وأن لكل إنسان رحلته الخاصة وتوقيته المختلف. فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعين، ولا بسرعة النجاح، ولا بحجم الحضور الرقمي، بل بالسلام النفسي، والنمو الحقيقي، والقدرة على عيش الحياة بصدق بعيدًا عن ضجيج المقارنات.
فالإنسان لا يحتاج إلى أن يكون الأكثر ظهورًا ليكون مؤثرًا، ولا الأكثر تفاعلًا ليكون ناجحًا. فبعض أجمل النجاحات تتحقق في صمت، بعيدًا عن وهج الشاشة وضوضائها.



