عِمادُ العلم وحِصنُ الكرامة
براءة بنت يعقوب السعدية
في رحاب الجامعة، حيث تلتقي العقول قبل المفاهيم، وتتصافح الأفكار قبل الأيدي، تتجلّى الأخلاق بوصفها العمود الذي يقوم عليه صرح العلم، والسياج الذي يحفظ كرامة الإنسان وسموّه، فالجامعة ليست مجرد قاعاتٍ ومحاضرات، بل بيئة إنسانية متكاملة تُصاغ فيها الشخصية، ويُختبر فيها معدن الفرد، وتُوزن فيها القيم بميزان المواقف لا الأقوال.
ومن أخصّ ما يميّز البيئة الجامعية تنوّعها واتساعها، إذ يلتقي فيها الطلبة والطالبات في ميادين العلم والعمل المشترك، وهو اختلاطٌ تفرضه طبيعة العصر، وتُحكمه ضوابط الأدب والاحترام. وليس الاختلاط في ذاته موضع إشكال، إنما الإشكال في غياب الضمير، وضمور الخلق، وانفلات اللسان. فإذا حضر الاحترام ساد الأمان، وإذا غاب استحالت البيئة إلى ساحة عبثٍ وامتهان.
والاحترام بين الجنسين ليس ترفًا أخلاقيًا، بل فريضة إنسانية، تقتضي أن يُعامل كلٌّ الآخر بكرامةٍ تامة، دون تعدٍّ أو تنمّر أو انتقاص. فالطالبة في الجامعة ليست هدفًا لنظراتٍ عابثة، ولا مادةً لأحاديث السوء، بل زميلة علمٍ وشريكة مسير، لها من الحق في التقدير مثل ما لغيرها. وكذلك الطالب، تُقاس رجولته بخلقه، لا بصوته المرتفع ولا بجرأته في الباطل.
ومن أظهر مظاهر الانحراف الخلقي أن يظنّ بعضهم أن الرجولة تُنال بالنيل من أعراض الآخرين، أو بتشويه سمعة فتاةٍ لأنها لم تُجارِه إلى ما أراد، أو لأنها لم تمنحه اهتمامًا. وهذا في ميزان القيم ليس من الرجولة في شيء، بل هو خِسّةٌ في الطبع، وضعفٌ في النفس، ودليل عجزٍ عن ضبط الهوى. فالرجل الحقّ هو من يترفّع عن الصغائر، ويكفّ لسانه عن الأذى، ويحفظ للناس كرامتهم كما يحب أن تُحفظ كرامته.
وكذلك من صور السقوط أن يتفاخر المرء أمام رفاقه بالخوض في أعراض الطالبات، أو يتحدث عنهن بسوءٍ ليُضحك مجلسًا أو يلفت نظرًا. فهذه ليست شجاعة، بل جبنٌ مستتر، إذ يتقوّى على الغائبين، ويخون الأمانة، ويفسد ما بين الناس من ثقةٍ وسلام. اللسان، وإن كان صغير الجِرم، عظيم الجُرم إن أُطلق في الباطل؛ يهدم بيوتًا، ويكسر قلوبًا، ويزرع الفتنة حيث كان يمكن أن يكون الوئام.
إن الأخلاق الجامعية الحقّة تقوم على جملةٍ من القيم: الصدق، والأمانة، والاحترام، وغضّ البصر، وصون اللسان، وحسن الظن. وهي قيمٌ لا تُدرّس في المقررات، بل تُكتسب بالمراقبة الذاتية، واستحضار المسؤولية، والإيمان بأن ما يُقال ويُفعل لا يضيع، بل يُكتب ويُحاسب عليه المرء أمام خالقه.
وفي الختام، فإن الجامعة ميدان بناءٍ لا هدم، ومجال ارتقاءٍ لا انحدار. فمن أراد أن يكون رجلًا بحق، فليجعل من خُلُقه عنوانًا له، ومن احترامه للآخرين ميزانًا لقيمته، وليعلم أن الكلمة أمانة، وأن السمعة عرض، وأن الكرامة لا تُجزّأ.



