نقطة أول السطر | البداية والنهاية.. لحظة
عادل بن حميد بن عبدالله الجامعي
في طريقٍ هادئٍ ظاهره السكينة، كانت اللحظة تختبئ خلف غفلةٍ يسيرة.. لا صخب، لا سرعة تُرى، ولا إشارات تُنذر بما سيقع! سيارتان تمضيان، كلٌّ في طريقه، حتى التقتا وجهًا لوجه، كأن الطريق ضاق فجأة، أو كأن القدر أراد أن يوقظ الغافلين بارتطامٍ لا يُسمع صداه إلا في القلب.
اصطدمتا.. ثم سكنت لحظة، قبل أن تنقلب إحداهما، كأنها ورقةٌ خفيفة في مهبّ ريحٍ لا تُرى.. تدحرج الحديد، وانقلب المشهد، وانكشفت هشاشةٌ لم تكن في الحسبان.. الطريق الذي بدا آمنًا منذ قليل صار شاهدًا على انقلابٍ لا يحتاج سرعة، بل لحظة.
وفي قلب هذا المشهد، نهضت ذكرى قديمة، كأنها لم تغادر أصلًا! حادثٌ مضى عليه 9 سنوات، لكنه لم يمضِ من الذاكرة.. كان أيضًا وجهًا لوجه، وكانت السيارة المقابلة من ذات النوع، وكان الارتطام يومها أعنف مما يُحتمل، حتى انقلبت السيارة مراتٍ متتالية، تُقاس بالدهشة قبل أن تُقاس بالمسافة.
تقلبت وتدحرجت، وامتد الطريق تحتها أمتارًا طويلة، حتى استقرت في موضعٍ لم يكن هو البداية ولا النهاية، بل نقطةٌ بينهما، تشبه حياةً تُعاد كتابتها في لحظة. أربع قلبات، وربما أكثر، وأمتارٌ تمتدّ كأنها عمرٌ يُختصر، ثم سكون.
ثم يخرج الإنسان.. كما لم يتوقع.. جراحٌ يسيرة، وخدوشٌ على الجسد، لكن في الداخل شيءٌ آخر: ارتجافة نجاة، ودهشة بقاء، وسؤال صامت: كيف نجا؟
ليست كل النجاة تُفهم، ولا كل الأسباب تُرى.. أحيانًا يمضي الناس ببطء، ومع ذلك تنقلب الطرق.. وأحيانًا تقع الحوادث في هدوء، لا يسبقها تهوّر، ولا يتبعها تفسير كافٍ.
في تلك اللحظات، لا يتحدث الحديد، ولا يهمّ من أخطأ ومن أصاب، بقدر ما يهمّ أن الروح بقيت. كأن الرسالة لا تُكتب على الطرقات، بل في داخل الإنسان بعد أن ينجو.. أن الحياة أرقّ مما نظن، وأن الأمان الذي نعتاده قد ينقلب في طرفة عين، وأن لطف الله يسع ما لا يسعه حساب.. الحمد لله.
يمضي الناس بعدها.. لكن بشيءٍ مختلف.. كأن الطريق لم يعد هو الطريق، وكأن السير لم يعد مجرد حركة، بل وعيٌ خافت يرافق كل خطوة: أن بين البداية والنهاية.. لحظة.



