الأربعاء: 15 أبريل 2026م - العدد رقم 2886
مقالات صحفية

كيف أعادت الأزمات تعريف ميزان القوة؟

المنتصر بن زهران الرقيشي

في ظل تصاعد الحرب وتداعياتها في مضيق هرمز، تكشف متابعة المشهد السياسي الدولي أن نيات الدول لم تعد محكومة بضمانات، ويُنظر إليها بوصفها احتمالات تهديد قائمة، وأن القوة بأشكالها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية أداة أساسية لضمانها، الأمر الذي يفضي إلى حالة مستمرة من الحذر والتنافس، ويجعل الصراع أقرب إلى نتيجة طبيعية لبنية النظام الدولي الحالي.

هذا التصور يجد صداه في أطروحة جون ميرشايمر في كتابه The Tragedy of Great Power Politics، إذ يرى أن فوضوية النظام الدولي تدفع الدول الكبرى إلى تعظيم قوتها والسعي إلى منع صعود منافسين، مع تداخل متزايد بين الاقتصاد والأمن بوصفهما ركيزتين في الميزان الاستراتيجي للقوة، وهو ما يتجلى اليوم بوضوح في إعادة التموضع الدولي وإعادة تشكيل موازين القوى تحت ضغط الحرب والطاقة والتجارة.

ما نشهده في الشرق الأوسط يعكس هذا التحول بوضوح، فالتصعيد البحري والمخاطر المتزايدة على حركة الملاحة المرتبطة بالموانئ الإيرانية دفعا بأسواق الطاقة إلى حالة توتر حاد، مع اتجاه بعض الناقلات إلى تجنب مضيق هرمز، في مؤشر صريح على أن الممرات البحرية وأهميتها الاقتصادية أصبحت جزءا من معادلة الردع نفسها.
من الجانب الاقتصادي، تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تصاعد التوترات الجيوسياسية يؤثر على مستوى النمو، لا سيما في الدول المستوردة للطاقة والسلع الأساسية، ويحدث هذا في الوقت الذي تتزايد فيه كلفة الغذاء والطاقة، وتتسع فيه فجوات العجز نتيجة ارتفاع الإنفاق الدفاعي، الأمر الذي يضع ضغوطا إضافية على أولويات الإنفاق الاجتماعي.

في موازاة ذلك، دخل التنافس الأميركي الصيني مرحلة من الحرب الاقتصادية أشد التصاقا بمفهوم القوة، فالتصعيد الأخير في الرسوم بين واشنطن وبكين تجاوز، على بعض السلع، السقف المتوقع، فيما بدأت الصين بتقييد بعض صادرات المعادن النادرة، أي أن المعركة انتقلت من السوق إلى الأعصاب الصناعية التي تقوم عليها التكنولوجيا والدفاع وسلاسل الإمداد.

أما أوروبا، فتبدو في طور إعادة تموضع محسوب، ويحمل رسائل عميقة، إذ تعكس تحركات بعض قادتها، من مدريد إلى باريس وبرلين وروما، توجها نحو موازنة العلاقة مع الصين ضمن مقاربة تقوم على تعزيز التعاون وخفض المخاطر، وهو ما يتقاطع مع التوجه الأميركي، كما أنه يكشف للمتابع وجود إدراك متزايد بأن التحالفات التقليدية، رغم أهميتها، لم تعد وحدها كافية لضمان المصالح في بيئة دولية تتغير قواعدها بسرعة.

في المحصلة، تعكس هذه التطورات عودة واضحة إلى منطق القوة، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين: ضغط اقتصادي، تسييس للطاقة، إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتسابق على النفوذ الصناعي والتكنولوجي. وفي هذا السياق، فإن المرحلة القادمة من منطق القوة لا تحسمها القوة العسكرية وحدها، إنما في من سينجح في تحويل الاقتصاد إلى امتداد مباشر لأمنه القومي، ومن يتعامل مع السوق والصراع كمسارين متصلين.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights