مقالات صحفية

سطوة الغباء على المجتمع

صالح بن ناصر المحروقي

تتوارى خلف الأقنعة المجتمعية آفة صامتة تفعل في الأوطان ما تعجز عنه أعتى قوى الشر، وهي تلك الحالة الذهنية المستعصية التي حذر منها الفيلسوف ديتريش بونهوفر حين أدرك أن الغباء هو الخطر الأكبر على الوجود البشري، فالأشرار يدركون في قرارة أنفسهم فداحة أفعالهم مما يترك ثغرة لصحوة الضمير وتأنيبه، بينما يتحصن الغبي داخل قلاع من اليقين المطلق رافضاً كل حجة ومنطق ليعيش في غيبوبة فكرية تمنعه من رؤية الحقائق الدامغة الماثلة أمامه.

ولعل فداحة هذه الكارثة تتجلى بوضوح حين ندرك أنها لا تستثني الأمم العريقة، لنجد انعكاساً مرعباً لهذا السقوط في واقعنا العربي المعاصر حين تذوب الشهادات الأكاديمية العالية في مستنقع الغباء الأخلاقي، وتتحول العقول التي يُفترض بها قيادة المجتمع إلى مجرد أبواق تردد صدى السلطة أو تساير أهواء الجماهير طمعاً في مكاسب زائلة، مما يفرغ النخب من مضمونها التنويري ويجعلها هي الجزء الأكبر من المشكلة لا الحل.

ألا ترى معي في تفاصيل واقعنا اليومي كيف ننساق أحياناً دون وعي خلف موجات الغضب الجماعي أو التأييد الأعمى لقضايا لا ندرك أبعادها الحقيقية؟ إن هذه اللحظات التي نتنازل فيها عن عقولنا لصالح القطيع هي التجسيد الحي للعبودية المختارة التي أشار إليها المفكر إيتيان دي لا بويسي، حيث نصنع بأنفسنا طواغيت الوهم عبر التنازل الطوعي عن حريتنا الفكرية، مؤثرين الركون إلى دفء الانتماء للقبيلة أو الجماعة هرباً من مشقة التفكير العميق في قضايانا المصيرية.

وفي حقيقة الأمر تعود جذور هذه الأزمة العميقة إلى تربة التنشئة الاجتماعية ومناهج التلقين التي تعمد إلى وأد ملكة التساؤل لدى الأجيال الناشئة منذ نعومة أظفارهم، لتخرج لنا قوالب بشرية مبرمجة على الطاعة العمياء وقبول المسلمات دون أدنى فحص أو تمحيص، فتنشأ عقول مهيأة لابتلاع الأوهام وتصديق الروايات السطحية التي تعفيها من تحمل مسؤولية البحث عن الحقيقة، مما يخلق بيئة خصبة تنمو فيها طفيليات الجهل المركب لتصبح هي الثقافة السائدة والوحيدة.

وما يزيد المشهد سوداوية هو أن العصر الرقمي قد حول الغباء إلى سلعة رائجة تدر أرباحاً طائلة على منصات تتسابق لتصدير التفاهة وتهميش العقول المنتجة، حيث تتولى الخوارزميات مهمة عزل الأفراد في غرف افتراضية مغلقة تعزز أوهامهم، وتغرقهم في مستنقع من المعلومات المضللة، لتبرز بعد ذلك نماذج مشوهة تتصدر المشهد كقدوات، وتجعل من السطحية الفارغة طريقاً مختصراً للنجاح الزائف، مما يستنزف طاقات الشباب في صراعات جانبية تافهة تلهيهم عن المساهمة الفاعلة في بناء مجتمعاتهم.

وبموازاة ذلك يتجلى وهم خادع بامتلاك المعرفة يمنح الجاهل جرأة منقطعة النظير للحديث في قضايا الأمة بيقين قاطع وصوت مرتفع، ليقابله في الضفة الأخرى تراجع مقلق لأصحاب الفكر الرصين والحكماء الذين يؤثرون الصمت والانسحاب خشية التورط في معارك غوغائية تفتقر لأدنى أبجديات الحوار العقلاني، ليترك هذا الفراغ الموحش الساحة مشرعة أمام فئات غير مؤهلة تعبث بوعي المجتمع وتشكل قناعاته وفق أهوائها ومصالحها الضيقة دون حسيب أو رقيب.

وتمتد ظلال هذه المعضلة لتتخطى حدود السياسة وتضرب في عمق التركيبة النفسية للإنسان المعاصر، حيث يجد الفرد نفسه محاصراً بضرورة التماهي مع الجموع ليحظى بالقبول الاجتماعي ويتقي شر النبذ، مما يولد حالة من الاغتراب الداخلي ومحو الهوية الشخصية، فيتحول الذكي بطبعه إلى مشارك فاعل في ترسيخ منظومة الغباء خوفاً من الإقصاء، وهو التفسير المنطقي لصمت الكثيرين أمام توجهات مدمرة وهم يعلمون يقيناً أنها تقود المجتمع نحو الهاوية.

إن كل هذه التشوهات الفكرية هي التي تلقي بتبعاتها الكارثية على عجلة التقدم والتنمية في أي مجتمع يفتقر للتفكير النقدي، لتتحول الأوطان إلى بيئات طاردة للكفاءات المبدعة وعاجزة عن تحقيق رؤاها المستقبلية الطموحة، حيث تُهدر الموارد الثمينة والأوقات في معارك وهمية وتجاذبات عقيمة تستهلك الجهد العام، بينما تُترك القضايا الجوهرية المتعلقة بالبناء والتطوير والنهضة الاقتصادية والاجتماعية في مهب الريح لتتراكم الأزمات وتتعمق الفجوة الحضارية.

أمام هذا الواقع المرير يصبح لزاماً على كل عقل حي البحث عن مسارات جادة للانعتاق الداخلي تتجاوز حدود التعليم التلقيني لتلامس جوهر بناء الإنسان الحر، فالرهان الحقيقي هو كسر قيود التبعية العمياء وتحرير الوجدان من سطوة الخوف، مما يتطلب يقظة دائمة واستعداداً لا يفتر لنقد المسلمات ورفض الإجابات المعلبة التي يروج لها تجار الأوهام، لتبقى النزاهة الأخلاقية والاستقلال الفكري هما الدرع الواقي الذي يحفظ لمجتمعاتنا تماسكها ويحمي أجيالنا القادمة من الانزلاق نحو التردي والضياع.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights