صمت الراتب وجسور الأحلام
سالمة هلال الراسبية ــ كاتبة وباحثة تربوية أول – قسم التوعية والإرشاد الطلابي – جنوب الشرقية
في الصباح الباكر، يقف العماني على شاطئ البحر، تتسلل نسمات البحر الباردة إلى قلبه، وهو يهمس بصوت خافت: “وا ستين بيسة… ما يملت حالي، اشتري بهن كسوة ولا قوة لعيالي”.
الأمواج تضرب قاربه بلا رحمة، وكأنها تذكره بأن الحياة لا تنتظر أحدًا، وأن الصبر الطويل قد أصبح عبئًا يثقل كاهله أكثر من الحجر.
كل بيسة، كل ريال، يحمل معه سنوات من الانتظار، سنوات من التعب قليل من يقدّرها، بينما المصاريف تتزايد: تعليم الأبناء، صحة الأسرة، كهرباء، ماء، مواصلات، وأقساط البنك التي تأتي كل شهر كظل شبح لا يفارقه ويثقل صدره.
يغير ملامحه الوديعة إلى خطوط وتجاعيد ترسم سنوات صبره، وكل ذلك بينما الرواتب الجامدة لا تتحرك، وكأن الزمن توقف عند رقم لا يعكس واقع الحياة.
وفي المدينة، يجلس الموظف خلف مكتبه، يفتح كشوف راتبه المحدود، ويعد النقود التي لا تكفي لسد احتياجاته ولا لسد فراغات أيامه، وهو موقن أن الفجوة واسعة، وأن جزءًا كبيرًا من القوة العاملة يعيش على حافة الكفاية، خصوصًا مع تضخم تكاليف الحياة المستمر.
والأمر الأكثر ثقلًا أن الكثير من الموظفين من دفعات متأخرة، لا تزال ترقياتهم معلقة، لتظل سنوات الصبر الطويلة عبئًا على كاهلهم، وتصبح كل يوم عمل اختبارًا للكرامة والصبر، وكل راتب محدود رسالة صامتة من الحياة: “اعمل، لكن لا داعي للطموح”.
وكأن الأحلام لا تليق به.
لكن الإنسان لا يختفي وراء هذه الأرقام، قلبه لا يزال ينبض، لديه عائلة تنتظر، لديه أحلام صغيرة تصمد رغم كل شيء.
هناك، وسط الظلال الطويلة للمعاناة اليومية، تولد الأمنيات، حاضرة بهدوء:
كأن تُصرف الترقيات المتأخرة فجأة، فتضيء وجوه الموظفين المتعبة بعد سنوات الانتظار الطويلة، تعيد لهم شعورًا بأن الجهد لم يذهب هباءً، وأن العدالة ما زالت ممكنة، ولو ببطء.
الحد الأدنى للرواتب يرتفع، فتخفف الأعباء عن الأطفال، ويشعر كل رب أسرة بأن قلبه أصبح أخف قليلًا، وأن يومًا جديدًا قد يحمل نفسًا من الطمأنينة.
ومن أمنياته المخبأة أن الرواتب ترتبط بالتضخم، لتمنح الأسرة ثباتًا وسط تقلبات الأسعار، ومسارات الترقية الزمنية تمنح كل خطوة قيمتها، وكل سنة صبر تُكرم.
وأخيرًا يُعاد هيكلة سلم الأجور لتصبح كل قيمة مالية انعكاسًا صادقًا للجهد والخبرة، فتستعيد العدالة صوتها المفقود، ويشعر الإنسان أن الكرامة ما زالت ممكنة حتى في مواجهة صخب الأيام وقسوتها.
هذا الصياد على قاربه، والموظف في مكتبه، والأبناء الذين ينتظرون ملابس جديدة يخشون أن تضيق على أجسادهم كأمنية استيقظت متأخرًا، كلهم جزء من نفس القصة: صبر طويل، دخل محدود، ضغوط مستمرة، ومع ذلك هناك بصيص من نور يُضيء في الظل، يدفع الجميع للاستمرار، ويطالب بقرار سريع وعادل من صناع القرار، قرار يحول صمت المعاناة إلى كرامة حقيقية، ويعيد للأسر الطمأنينة، وللإنسان العماني حقه في حياة مستحقة، قبل أن تبتلعه موجة الأيام الثقيلة، وتسقط جسور أحلامه وتذهب مع الريح.



