هندسة الضاد : كيف تعيد اللغة العربية تشكيل الدماغ وتقيه من أمراض الشيخوخة

صالح بن ناصر المحروقي
كشفت أبحاث علمية حديثة، أجراها باحثون ألمان، عن نتائج مذهلة تبرز تفرد اللغة العربية مقارنة باللغات الجرمانية وغيرها، مبينة دورها الفعال في حماية العقل وتأخير ظهور أمراض الشيخوخة العصبية كالزهايمر والخرف المبكر.
ولدى الغوص في طبيعة هذا التفرد، نجد أن قراءة النصوص العربية تتجاوز مجرد التلقي السلبي للمعلومات، لتغدو عملية ذهنية معقدة أشبه بفك التشفير المستمر، حيث ترتكز لغة الضاد أساساً على نظام “الجذور” الذي تتفرع منه شبكات واسعة من الكلمات المترابطة.
وفضلاً عن هذا البناء الجذري، تتطلب البنية الفريدة للغة، بما تحمله من ظواهر بلاغية ولغوية كالنظائر والجناس والمترادفات، يقظة تامة من القارئ؛ إذ يحدد السياق وحركات الإعراب المعنى الدقيق للكلمات المتشابهة رسماً والمختلفة نطقاً ودلالة.
وبفعل هذه الخصائص التحليلية، يُوضع الدماغ، في كل لحظة قراءة، أمام حتمية إجراء عملية تحليل فورية ومتعددة الطبقات، مما يدفعه إلى حالة من الاستنفار والنشاط العالي الذي لا تطلبه اللغات الأخرى ذات القواعد الصارمة والكلمات المستقلة.
وعند المقارنة، أثبتت الصور الدماغية بأن القراءة بالعربية لا تقتصر على تنشيط النصف الأيسر من الدماغ كما هو الشأن في لغات عديدة، بل تحفز النصفين الأيمن والأيسر معاً للتواصل والعمل المشترك دون انقطاع.
ويتمخض عن هذا التواصل المزدوج تغيير فيزيائي ملموس في التشريح الدماغي، يتمثل في زيادة سُمك وكثافة المادة البيضاء، لتبني الخلايا العصبية جسوراً ضخمة ومتينة تربط بين شطري الدماغ لاستيعاب هذا التدفق المعرفي المعقد.
ومن الناحية الطبية، تُشكل هذه الكثافة الفائقة في الروابط العصبية درعاً بيولوجياً متيناً يُعرف بـ “الاحتياطي المعرفي”، ليكون بمثابة شبكة طرق واسعة ومعقدة داخل مدينة العقل.
وحينما تعيث الأمراض العصبية كالزهايمر فساداً في الدماغ فتغلق مساراته الأساسية مع التقدم في العمر، تتجلى قوة العقل المتربي على ممارسة العربية، إذ يمتلك بفضلها مسارات تحويلية وبديلة جاهزة لتجاوز هذا التلف ومتابعة العمل.
وفي ضوء هذه المكتشفات، لم تعد ممارسة اللغة العربية مجرد أداة للتواصل، بل غدت تدريباً رياضياً مكثفاً للعقل، وطباً وقائياً ناجعاً يحفظ الذاكرة، ويطيل من عمر الدماغ الذهني، ويقيه من غوائل الشيخوخة المبكرة المدمّرة.



