الأحد: 05 أبريل 2026م - العدد رقم 2876
مقالات صحفية

بين المطر والخطر

بدرية بنت حمد السيابية

رحل رمضان، شهر الخير والبركات، وأهلّ علينا عيد الفطر حاملًا معه فرحة الصغير والكبير. ومع هطول الأمطار بدت السماء وكأنها تهدي الناس نعمة جديدة، فازدادت مظاهر الفرح جمالًا، وتعالت مشاعر البهجة في القلوب.
في تلك اللحظات كان المشهد يبدو مكتملًا؛ عيد ومطر وأجواء مفعمة بالحياة. كما ازداد طلبة المدارس سعادة مع إعلان الإجازة والتحول إلى الدراسة عن بُعد، فبادر بعضهم إلى متابعة دروسهم عبر المنصات التعليمية، بينما حالت الظروف دون تمكن آخرين بسبب انقطاع التيار الكهربائي.
غير أن هذه النعمة التي جاءت بالفرح سرعان ما كشفت وجهًا آخر يحمل القلق والخطر، فقد تحولت الأمطار إلى سيول جارفة، وبدأت الأودية في الاندفاع بقوة، لتبدل المشهد من سكينة إلى ترقب ومن طمأنينة إلى خوف.
قضت بعض الأسر ليلها في حالة من الحذر الشديد، يتناوب أفرادها السهر خشية تسلل المياه إلى منازلهم. كانت العيون تترقب، والقلوب تخفق، حتى باغتتهم السيول بسرعة خاطفة، فغرقت الشوارع والمنازل، وأصبح الليل كأنه نهار من شدة القلق.
وفي خضم تلك اللحظات ارتفعت أصوات الأهالي بالتكبير: الله أكبر، الله أكبر، بصوت يختلط فيه الرجاء بالخوف، وكأن الجميع يواجه لحظة اختبار حقيقية بين النجاة والخطر.
تعيد هذه المشاهد إلى الأذهان ما خلفه إعصار شاهين من آثار مؤلمة حين ضرب ولاية السويق، وما نتج عنه من أضرار في البنية التحتية والممتلكات.
ورغم قسوة التجربة، وقف الأهالي حينها صفًا واحدًا، متعاونين في تجاوز المحنة، مؤكدين أن روح التضامن تبقى أقوى من الأزمات.
في ظل التقلبات الجوية المتكررة، تظل المخاطر قائمة، ويظل المواطن هو المتأثر الأول، سواء من حيث الخسائر البشرية أو المادية.
ورغم الجهود المبذولة، لا تزال بعض الحلول الجذرية غائبة، وتبقى المعالجة في كثير من الأحيان مؤقتة.
ومن أبرز الإشكالات استمرار البناء في مواقع هي في الأصل مجاري للأودية، وهي مناطق لا تصلح للسكن.
وكما يقول الموروث الشعبي: “إن خذت سنين وابطت، لا تبني في دربي بيت”، في إشارة إلى أن الوادي لا ينسى طريقه، وإن تأخر.
لقد أدرك الأجداد هذه الحقيقة، فتجنبوا السكن في مجاري الأودية، بينما نرى اليوم مناطق تتكرر فيها الأضرار بسبب تجاهل هذه القاعدة.
تبرز أمثلة واضحة في عدد من المناطق التي تضررت بشكل كبير، مثل الغليلة والخضاري وقرى الخبب وبديعوه، حيث أدت السيول إلى إغراق بعض المنازل وقطع الطرق، مما صعب حركة التنقل وزاد من معاناة السكان.
كما أن بعض المشاريع، رغم تهيئتها منذ سنوات، لم تكتمل بعد، مثل الطرق التي لم تُرصف، وهو ما يزيد من تفاقم المشكلة عند هطول الأمطار.
ورغم حضور المسؤولين ومتابعتهم الميدانية، وهو جهد مقدر، إلا أن المرحلة تتطلب تسريع تنفيذ الحلول العملية، والانتقال من المعالجة المؤقتة إلى التخطيط الوقائي طويل المدى.
تبقى الرسالة واضحة: المطر نعمة، لكن التعامل معه قد يحوله إلى خطر.
لذلك فإن الحاجة اليوم ليست فقط لمواجهة آثار السيول، بل لمعالجة أسبابها، واتخاذ قرارات أكثر وعيًا تضمن سلامة الإنسان واستقرار المكان.
وفي ظل تكرار هذه المشاهد لم يعد مقبولًا أن تظل المعالجة في إطار ردود الأفعال، أو أن تبقى الحلول مؤجلة حتى وقوع الضرر.
فالمسؤولية اليوم تقتضي الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر، ومن التعامل مع النتائج إلى معالجة الأسباب من جذورها.
فحماية الأرواح والممتلكات ليست خيارًا، بل واجب يتطلب قرارات حاسمة وتخطيطًا واعيًا وتنفيذًا جادًا لا يعرف التأجيل.
فالوادي كما علّمنا التاريخ لا يغير مساره، لكننا نحن من نملك القدرة على تغيير قراراتنا.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights