الجمعة: 03 أبريل 2026م - العدد رقم 2874
مقالات صحفية

حين يُعاد رسم الشرق الأوسط : هل يدير الخليج التوازنات أم يدفع ثمنها؟

   أحمد الفقيه العجيلي

حين ننظر إلى ما يجري في الشرق الأوسط اليوم، قد يبدو المشهد وكأنه انفجار مفاجئ في جغرافيا متوترة.
غير أن قراءة التاريخ تقول شيئًا مختلفًا؛ فهذه المنطقة لم تكن يومًا بعيدة عن خطوط الصراع الكبرى، بل كانت في كثير من الأحيان ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الدولية والإقليمية.

وفي خضم التوترات المتصاعدة في المنطقة، يكثر الحديث عن موقع دول الخليج في معادلة الصراع بين القوى الكبرى. ويبرز سؤال يتكرر كلما اشتدت الأزمات: هل الخليج مجرد ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين، أم أنه قادر على إعادة صياغة موقعه في هذه المعادلة المعقدة؟

المتابع للخطاب السياسي في واشنطن يدرك أن السياسة الأمريكية، سواء في عهد دونالد ترامب أو في غيره من العهود، تحكمها في المقام الأول اعتبارات المصلحة الأمريكية المباشرة. فاستقرار أسواق الطاقة العالمية، وضبط أسعار النفط والغاز، وتجنب الصدمات الاقتصادية الكبرى، كلها عوامل تبقى حاضرة بقوة في حسابات القرار الأمريكي.

لكن هذه الحقيقة تقود إلى ملاحظة لا تقل أهمية: التحالفات لا تعني تطابق المصالح.
فالدول الكبرى قد تتخذ قرارات تمس حلفاءها أو تؤثر في أمنهم واقتصادهم، دون أن يكون لهؤلاء الحلفاء دور حاسم في صياغة تلك القرارات.

غير أن قراءة المشهد الإقليمي لا تكتمل من دون التوقف عند خطاب يتكرر منذ عقود، وهو الحديث عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط.

فالتاريخ الحديث للمنطقة يخبرنا أن خرائط الشرق الأوسط لم تُرسم دائمًا بإرادة شعوبه، بل كثيرًا ما تشكلت في لحظات التحولات الكبرى في النظام الدولي .. فبعد الحرب العالمية الأولى جاءت اتفاقية سايكس – بيكو التي أعادت رسم حدود المنطقة بين القوى الاستعمارية.

ثم جاءت أزمة السويس عام 1956، التي بدت في ظاهرها مواجهة عسكرية محدودة، لكنها كانت في حقيقتها إعلانًا لنهاية مرحلة النفوذ البريطاني والفرنسي وبداية مرحلة جديدة من التوازنات الدولية في الشرق الأوسط .. وبعد ذلك بسنوات قليلة وقعت حرب 1967، التي غيّرت موازين القوى في المنطقة وفتحت فصلًا جديدًا في الصراع العربي الإسرائيلي.

ولهذا فإن كثيرًا من المحللين ينظرون إلى الأزمات الكبرى في الشرق الأوسط ليس بوصفها أحداثًا معزولة، بل باعتبارها محطات تعيد رسم موازين القوى وحدود النفوذ.

وفي خضم هذه التحولات التاريخية، كثيرًا ما وجدت دول الخليج نفسها في موقع المتأثر أكثر من كونها فاعلًا في صياغة المعادلات.
فموقعها الجغرافي وثرواتها الاستراتيجية جعلاها جزءًا من الحسابات الكبرى للقوى الدولية، سواء في زمن الحرب الباردة أو في مرحلة ما بعدها.

وفي هذا السياق، تكرر في السنوات الأخيرة الحديث عن “الشرق الأوسط الجديد”، وهي فكرة ظهرت بوضوح في تسعينيات القرن الماضي في كتاب الشرق الأوسط الجديد الذي ألّفه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز، حيث طرح تصورًا لمنطقة يعاد تشكيلها سياسيًا واقتصاديًا بعد الصراع العربي الإسرائيلي.

ثم عادت الفكرة إلى الواجهة خلال حرب لبنان عام 2006 عندما تحدثت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كوندوليزا رايس عن أن ما يجري هو “مخاض ولادة شرق أوسط جديد”.

وفي السنوات الأخيرة، عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أكثر من خطاب داخل الأمم المتحدة خرائط للمنطقة تتحدث عن شرق أوسط يعاد ترتيب علاقاته وتحالفاته.

وقد أثارت تلك الخرائط كثيرًا من النقاشات، لأنها تعكس تصورًا جيوسياسيًا لمنطقة يعاد فيها تشكيل التحالفات والحدود الاقتصادية والسياسية، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى ربطها بأفكار قديمة ظهرت في الأدبيات الصهيونية حول ما يسمى “إسرائيل الكبرى”.

وزادت هذه التساؤلات حين صرّح دونالد ترامب في إحدى المناسبات بأن مساحة إسرائيل “صغيرة”، وهو تصريح قرأه بعض المحللين في سياق النقاش الأوسع حول مستقبل الجغرافيا السياسية في المنطقة.

كل هذه المؤشرات دفعت كثيرًا من المراقبين إلى الاعتقاد بأن الصراع الدائر اليوم قد لا يكون مجرد صراع محدود، بل جزءًا من عملية إعادة ترتيب أوسع لموازين القوى في الشرق الأوسط.

فمن جهة، يشهد النظام الدولي تغيرات واضحة في موازين القوة، مع تراجع نمط الهيمنة الأحادية وعودة التنافس بين القوى الكبرى.

وفي خضم هذه الحروب المتعددة التي تمتد من غزة إلى البحر الأحمر، ومن السودان إلى اليمن، يذكّرنا التاريخ بحقيقة كثيرًا ما تتكرر في العلاقات الدولية: فليست كل الحروب تُخاض فقط بين من يظهرون في ساحات القتال، بل إن بعضها يُدار في مستويات أعمق تتعلق بإعادة ترتيب موازين القوة والنفوذ. ولهذا فإن السؤال لا يقتصر على من ينتصر في المعركة، بل يتجاوز ذلك إلى من يعيد رسم قواعد اللعبة بعد أن تهدأ أصوات المدافع.

وفي موازاة هذه التحولات، برزت كذلك جهود الوساطة التي قامت بها سلطنة عُمان، التي عُرفت خلال العقود الماضية بنهجها الهادئ في فتح قنوات الحوار بين الخصوم.

فقد استضافت مسقط، ثم جنيف لاحقًا، جولات من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في محاولة لخفض التوتر وفتح مسار تفاوضي.

وبينما كانت تلك المباحثات لا تزال جارية، اندلعت المواجهة العسكرية، وقد أشار وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي في تصريحات آنذاك إلى أن المحادثات شهدت أجواءً بنّاءة وأحرزت تقدمًا في بعض مراحلها. غير أن تصاعد العمليات العسكرية لاحقًا ألقى بظلاله على تلك الجهود، في مشهد يعكس هشاشة المسارات الدبلوماسية حين تتقدم لغة السلاح على طاولة الحوار.

وفي الوقت ذاته، بدأت بعض المؤشرات تظهر على إمكانية تشكل ما يمكن وصفه ـ مجازًا ـ بـ “فريق إطفاء الأزمات” في المنطقة؛ وهو توصيف سبق أن أشرنا إليه في مقال سابق عند الحديث عن الأدوار الإقليمية التي تسعى إلى منع توسع الحروب واحتواء التصعيد.

ويضم هذا المسار الدبلوماسي عددًا من الدول التي تحاول الدفع نحو التهدئة وفتح قنوات الحوار، من بينها المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وباكستان.

وقد ظهرت تحركات هذه الدول في أكثر من بؤرة توتر، حيث شهدت السنوات الأخيرة جهود وساطة ومحاولات تسوية في ملفات معقدة مثل الأزمة في اليمن، ومحاولات إنهاء الصراع في السودان، وكذلك المسار السياسي في ليبيا.

ورغم أن هذه الجهود لا تزال متفرقة وغير مكتملة، فإنها تشير إلى احتمال مهم: أن تتحول بعض القوى الإقليمية من مجرد أطراف متأثرة بالصراعات إلى فاعلين يحاولون إدارتها أو احتواءها.

واليوم يبدو أن هذا المسار يحاول القيام بدور مشابه في احتواء التوترات الحالية عبر فتح قنوات الاتصال بين الأطراف المتصارعة، والسعي إلى منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تكون كلفتها باهظة على الجميع.

لكن الجغرافيا السياسية للخليج تضعه في قلب أهم طرق الطاقة والتجارة العالمية، وهذا الموقع يمنحه أهمية استراتيجية كبرى، لكنه في الوقت نفسه يجعله عرضة لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية.

ومن هنا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:

هل تستطيع دول الخليج أن تتحول من ساحة للصراعات إلى لاعب قادر على إعادة صياغة توازنات المنطقة؟

ربما لا توجد إجابة واحدة على هذا السؤال، لكن التاريخ يخبرنا أن الدول التي تفشل في قراءة التحولات الكبرى غالبًا ما تجد نفسها لاحقًا جزءًا من خرائط تُرسم من دونها.

أما الدول التي تدرك مبكرًا اتجاه الرياح في النظام الدولي، فإنها تستطيع أن تتحول من مجرد ساحة للأحداث إلى فاعل يصنع جزءًا من تلك الأحداث.

فالتاريخ يعلمنا أن الفرص الجيوسياسية لا تنتظر طويلًا، وأن الأمم التي لا تبادر إلى صياغة دورها غالبًا ما تجد نفسها تعيش داخل أدوار صاغها الآخرون.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام المنطقة اليوم لا يتمثل فقط في إطفاء الحرائق المشتعلة، بل في إدراك أن بعض الحروب لا تكون هدفها المعارك نفسها، بل إعادة رسم التوازنات التي ستأتي بعدها.

فالتاريخ يعلمنا أن
الخرائط لا تتغير فجأة؛
بل تتغير أولًا في العقول…
ثم في موازين القوى…
ثم تظهر لاحقًا على الورق.

والسؤال الذي سيحكم مستقبل المنطقة ليس فقط:
كيف ستنتهي الحروب الحالية؟

بل السؤال الأعمق هو:

أي شرق أوسط سيولد بعد أن تنطفئ هذه الحروب؟

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights