أخبار محلية

الكلمة الصادقة أقوى

  خلف بن سليمان البحري

ليست القوة دائمًا في ما يعلو ولا الحقيقة في ما يكثر تردده؛ كم من كلامٍ ملأ الأسماع ثم انطفأ وكم من كلمةٍ واحدة عبرت في هدوء، لكنها استقرت في الوجدان كأنها لم تُخلق إلا لتبقى. ذلك لأن الكلمة الصادقة لا تستمد سلطانها من صخبها، بل من صفائها ولا تفرض حضورها بحدة العبارة، بل بعمق المعنى. إنها لا تدخل القلوب مستأذنةً، بل تجد لها فيها موضعًا منذ اللحظة الأولى، كأن الروح كانت تنتظرها منذ زمن.

وفي أوقاتٍ يزداد فيها التباس المشهد وتتشابه فيها الأصوات حتى يكاد المعنى يضيع بين كثرة القول، تصبح الكلمة الصادقة أشبه بنورٍ خافت في آخر الممر؛ لا يثير الضجيج، لكنه يكشف الطريق. عندها؛ لا يعود الناس في حاجة إلى المزيد من العبارات، بل إلى العبارة التي تحمل وزنها الأخلاقي، وتعرف كيف تقول دون أن تُبالغ وكيف تُشير دون أن تجرح وكيف تُبقي للمعنى هيبته في زمنٍ باتت فيه الكلمات تُستهلك أسرع مما تُفهم.

إن الحكمة ليست ترفًا لغويًا ولا مهارةً في تنميق الحديث، بل مقامٌ رفيع من الاتزان الداخلي، تُولد من التجربة يهذبها الصمت ويصقلها التأمل. الحكيم ليس من يملك الجواب لكل شيء، بل من يعرف أي كلمة ينبغي أن تُقال وأي كلمة ينبغي أن تُؤجل،ة وأي صمتٍ يكون أبلغ من الكلام. فكم من عبارةٍ أنقذت موقفًا لأنها قيلت في ألوانها وكم من حقيقةٍ فقدت أثرها لأنها خرجت قبل أن تنضج أو بعد أن فات محلها.
وحين تتجول في ملامح الواقع، ترى أن الكلمات ليست بريئة على الدوام؛ فبعضها يُقال ليملأ الفراغ وبعضها يُقال ليستر ما وراءه وبعضها يُقال وفي داخله رغبةٌ في الظهور أكثر من رغبةٍ في البيان. غير أن الكلمة الصادقة تظل مختلفة، لأنها لا تُولد من الحاجة إلى المشهد، بل من الحاجة إلى الحق. ولذلك يكون أثرها أبقى وإن جاءت هامسة يكون وقعها أعمق وإن بدت في ظاهرها عادية؛ إنها تشبه المطر حين ينزل في صمت، لكنه يبدل وجه الأرض.

ولأن الحكمة أخت النبل، فإنها لا تنفصل عن طريقة القول كما لا تنفصل عن مقصده. فليست البلاغة في أن نقول الكثير، بل في أن نمنح المعنى صورته الأنقى. الكلمة الحكيمة لا تُثقل السامع بتكلفها ولا تُغريه بزخرفها وحده؛ بل تأخذه إلى جوهرها برفقٍ وهيبة. وحين تقترن بالصدق، تتحول من مجرد لفظٍ جميل إلى قيمةٍ حيّة، ومن تعبيرٍ عابر إلى موقفٍ يترك أثره في النفوس والذاكرة.
وفي حياة الناس، كما في الشأن العام، يبقى الصدق هو الامتحان الأصعب للكلمات. ذلك أن المجاملة قد تُرضي لحظة والمبالغة قد تخدع سمعًا عابرًا، لكن ما لا يحمل من الصدق نصيبًا كافيًا سرعان ما يسقط من الذاكرة، لأنه لا يجد ما يثبته فيها. أما الكلمة التي خرجت من ضميرٍ يقظ ونفسٍ تعرف مسؤولية ما تقول، فإنها تمكث طويلًا، لا لأنها أرادت أن تبقى، بل لأنها استحقت ذلك.

وما أحوجنا اليوم إلى هذا النوع من الكلمات؛ الكلمات التي لا تتورط في الاستعراض، ولا تُهدر هيبة المعنى في العجلة ولا تجعل من القول غايةً بحد ذاته. ما أحوجنا إلى كلمةٍ تضيء ولا تحرق، تُنبّه ولا تُقصي، تُصلح ولا تستعلي. فليس كل ما يُقال يُبنى عليه وليس كل ما يلمع جديرًا بالإنصات. الكلمة قادرة على أن تعبر من بوابة الصدق وتسير في درب الحكمة، تملك القدرة النادرة على أن تكون نافعةً وجميلة في آنٍ واحد.
ولعل أجمل ما في الكلمة الصادقة أنها لا تسعى إلى الانتصار لنفسها، بل للمعنى الذي تحمله؛ لا ترفع صوتها لتغلب، بل ترفع قيمتها لتُقنع. ولهذا تبدو أهدأ من غيرها، لكنها أرسخ وتبدو أبسط؛ لكنها أعمق وتبدو أقل زينة، لكنها أشد إشراقاً؛ إنها تُشبه الأشياء العظيمة التي لا تحتاج إلى إعلانٍ كبير كي تُدرك القلوب مكانتها.

وفي النهاية، لا يبقى من الكلام إلا ما كان وفيًا للحقيقة، ولا تخلده الذاكرة إلا إذا حمل شيئًا من الحكمة وشيئًا من النبل. أما سائر الكلام، مهما ازدحم وتزاحم وتزين فإنه يذوب مع الوقت كما يذوب الصدى في الفراغ. وحدها الكلمة الصادقة تبقى، لأنها لا تعيش في الألسنة فقط، بل في الضمائر أيضًا؛ ووحدها الحكمة تمنحها ذلك الجلال الخفي الذي يجعلها في كل مرة أقوى من كل ما عداها.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights