مقالات صحفية

حين نعمل كثيرًا .. ولا نتقدم

 عائشة بنت هاشل البارحية

قد تعمل يوميًا لساعات طويلة، تنجز مهامك بدقة، تلتزم بمواعيدك، وتحقق كل ما هو مطلوب منك… ومع ذلك، لا تتحرك خطوة واحدة إلى الأمام.

من الخارج، يبدو كل شيء طبيعيًا: استقرار وظيفي، أداء منتظم، ومسار مهني لا يثير القلق. لكن في الداخل، يتسلل شعور صامت لا يُقال كثيرًا: أنا لا أتقدّم.

هذه الحالة، التي يمكن وصفها بـ«الركود الوظيفي»، لا تأتي بشكل مفاجئ، ولا تُعلن عن نفسها بوضوح، بل تتشكل تدريجيًا مع تكرار الأيام وتشابهها، حين يتحول العمل إلى روتين، والإنجاز إلى عادة، لا يصاحبها إحساس حقيقي بالنمو.

تعمل… نعم.
تنجز… نعم.
لكن دون شغف، ودون تطور ملموس.

ولعل أخطر ما في هذه الحالة أنها تُقنع صاحبها بأن كل شيء على ما يرام، بينما هو في الواقع يدور في المكان ذاته.

تشير تقارير دولية صادرة عن مؤسسة «غالوب» إلى أن نسبة كبيرة من الموظفين حول العالم لا يشعرون بالاندماج الحقيقي في أعمالهم، وهو ما يرتبط بشكل مباشر بانخفاض الإنتاجية وتراجع الرضا الوظيفي. وهذه المؤشرات تعكس أن الركود الوظيفي لم يعد حالة فردية، بل ظاهرة صامتة يعيشها كثيرون دون وعي كامل بها.

ومن المهم التأكيد أن الركود لا يعني الفشل، بل قد يكون نتيجة طبيعية للبقاء طويلًا في «منطقة الراحة»، حيث يتراجع السعي نحو التعلّم، وتقل الرغبة في خوض تحديات جديدة، ويكتفي الفرد بما يمتلكه من مهارات دون تطويرها. وهنا لا يتوقف التقدم فحسب، بل يبدأ التراجع تدريجيًا دون أن يكون واضحًا.

كما أن بعض بيئات العمل قد تُسهم في تكريس هذه الحالة، سواء بسبب غياب الحوافز، أو محدودية فرص النمو، أو ضغوط العمل اليومية التي تستنزف الجهد دون أن تتيح مساحة للتطور.

ومع ذلك، تبقى نقطة التحول الحقيقية داخلية بالدرجة الأولى. تبدأ بسؤال بسيط، لكنه حاسم: هل أنا أتطوّر فعلًا؟

الإجابة الصادقة عن هذا السؤال قد تكون بداية التغيير. ولا يشترط أن يكون التغيير جذريًا، بل يمكن أن يبدأ بخطوات صغيرة: مهارة جديدة، تجربة مختلفة، أو حتى كسر نمط يومي اعتدت عليه.

فالنجاح المهني لا يُقاس بعدد سنوات العمل، بل بعمق التطور داخل هذه السنوات. فقد يمضي الإنسان وقتًا طويلًا في موقع واحد دون تقدم يُذكر، في حين يمكن لفترة قصيرة، إذا ما استُثمرت بوعي، أن تُحدث تحولًا حقيقيًا في مساره.

في النهاية، الركود الوظيفي ليس نهاية الطريق، بل إشارة تستحق الانتباه.
إشارة تقول بوضوح: تحرّك .. لأن أخطر أنواع التراجع… هو ذلك الذي يحدث وأنت تظن أنك ثابت.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights