بين الوهم والحقيقة: هل يقيّد الدين سعادتنا أم يصنعها؟
د. إنعام المقيمية ــ أستاذ مساعد إرشاد نفسي ــ جامعة الشرفية
في زمن ترفع فيه شعارات: “افعل ما تشاء” و”عش حياتك كما تريد”، يتسلل إلى الأذهان تساؤل ملح:
هل الالتزام بالدين يفقد الإنسان متعته، ويحرمه من حياة يصفها البعض بـ”الحلوة”؟
أم أن الحقيقة أعمق من هذا التصور السطحي؟
يقدم الدين أحيانا على أنه مجموعة من القيود التي تحد من حرية الإنسان، في مقابل تصوير الحرية على أنها الانفلات من كل ضابط. غير أن هذا الطرح يغفل حقيقة جوهرية:
ليست كل حرية تقود إلى سعادة، كما أن ليست كل ضوابط تعني تقييدا.
فالحرية التي تبنى على إشباع الرغبات دون وعي قد تتحول إلى عبودية خفية للأهواء. وحين يصبح الإنسان تابعا لكل ما يشتهي، يفقد قدرته على الاختيار الواعي، ويجد نفسه في دائرة لا تنتهي من اللهاث خلف متع مؤقتة، سرعان ما تخبو، تاركة فراغا داخليا لا يملأ.
في المقابل، يأتي الدين ليعيد تعريف الحرية من جديد، لا بوصفها انفلاتا، بل باعتبارها قدرة راقية على توجيه الذات نحو ما يليق بها.
فهو لا يمنع الإنسان من الحياة، بل يمنعه من أن يبتذل نفسه أو يفقد قيمته.
ولا يصادر رغباته، بل يهذبها ويضبطها حتى لا تتحول إلى مصدر شقاء.
وحين يضع الدين ضوابط في الملبس أو السلوك أو العلاقات، فإنه لا يسلب الإنسان حريته، بل يمنحه إطارا يحفظ له كرامته وهيبته. فالإنسان الملتزم لا يبدو أضعف، بل أكثر حضورا وثباتا، لأن قيمه لا تتبدل بتبدل الأهواء.
إن الالتزام ليس حرمانا من المتعة، بل اختيار واع لنوع أعمق من السعادة، سعادة لا ترتبط بلحظة عابرة، بل تمتد أثرا في النفس وطمأنينة في القلب.
وهنا تتجلى الحكمة في التوجيه الإلهي:
“فاستقم كما أمرت”، دعوة للاستقامة التي تصنع التوازن الداخلي،
و“وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا”، منهج يقي الإنسان من التشتت بين الآراء والأهواء.
ومن يظن أن السعادة في تجاوز الحدود، كمن يظن أن النار لا تحرق إلا من اقترب كثيرا، بينما الحقيقة أن الشرارة الصغيرة قد تكون بداية الاحتراق. فالتهاون في الصغائر بدعوى البساطة قد يفتح بابا لما هو أكبر، حتى يجد الإنسان نفسه بعيدا عما كان يراه يوما خطا أحمر.
إن السعادة الحقيقية لا تقاس بمدى اتساع الخيارات، بل بمدى صفاء القلب واستقرار النفس. وهذا ما يمنحه الالتزام حين يكون نابعا من قناعة: شعور بالرضا، واحترام للذات، وطمأنينة لا تهزها تقلبات الحياة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأصدق:
هل أفعل ما أراه مسعدا في لحظته، أم ما يأمرني به ديني فلاحا ونجاحا في الدنيا والآخرة؟
حينها فقط ندرك أن الدين لم يكن يوما قيدا،
بل كان الطريق الأصدق نحو سعادة لا تزول.



