الإثنين: 16 مارس 2026م - العدد رقم 2856
الخواطر

الفردُ الحشود

   يوسف بن سالم الحميدي

لم أكن أظنّ أن الإنسان قد يصبح يوماً مزدحماً بنفسه

كنت أظنّ أن القلب بيتٌ صغير
تسكنه حكاية واحدة
ويكفيه اسمٌ واحد ليطمئن

لكنني كلما تقدّمت في العمر خطوة
اكتشفت أن في صدري مدينةً كاملة
شوارعها من ذكريات
ونوافذها من وجوهٍ مرّت
ولم تعد

لا أحد يرحل من القلب كما يظن الأخرون
الناس يتركون ظِلالهم فقط
والظِلال تعرف طريقها إلى البقاء

في داخلي رجلٌ يضحك حين ينبغي أن يضحك
ورجلٌ آخر
يجلِسُ في العتمة
يراقبُ ما تبقّى من صبره

في داخلي عاشقٌ
ما زال يؤمن أن للحب باباً آخر
لم يُطرق بعد
وفي داخلي أيضاً
مسافرٌ قديم
تعلّم من الطرق
أن الوصول ليس دائماً هو الخلاص

كلما بحثت عن نفسي
وجدتها مبعثرةً
بين لحظةٍ صدّقتُ فيها الوعد
وبين لحظةٍ فهمتُ متأخراً أن بعض الوعود
لم تُخلق لتُوفى

وكلما بحثتُ عن الآخرين
لم أجدهم كما كانوا
بل وجدتُ شيئاً مني
عالقٌ فيهم

كأنني تركتُ عند كل قلب مررت به
جزءاً صغيراً من روحي
ثم مضيت

لهذا
حين أسير بين الناس
لا أسير وحدي

بل يمشي معي
طفلٌ كنتُه يوماً
ورجلٌ صرتُه رغماً عني

ويمشي معي حنينٌ طويل
إلى أشياء
لن تعود

يا لهذا القلب
كم من حياةٍ احتمل
وكم من غيابٍ تعلّمَ أن يُخفيه
خلف ابتسامةٍ هادئة

أنا رجلٌ واحد
كما يظنّ الذين يمرّون بي عابرين؟

أم أنني
حشدٌ من الحكايات
اجتمعت في جسدٍ واحد
لتتعلّم معنى الصمت؟

ربما
لهذا السبب
كلما امتلأت حياتي بالناس
شعرتُ بوحدةٍ أعمق

وكأن الروح
كلما اتّسعت
ضاقت بها الطرق

أنا ذلك الرجل
الذي يبدو هادئاً كأنه وصل

لكن الحقيقة
أنني منذ زمنٍ بعيد
ما زلتُ أسير…
وأبحث
عنّي وللأسف لم أجدني.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights