الخميس: 19 فبراير 2026م - العدد رقم 2831
مقالات صحفية

أهمية الدور التكاملي بين المؤسسات التربوية والثقافية والأسرة في توعية الأبناء

سالمة بنت هلال الراسبية

تُعدّ تنشئة الأبناء وبناء وعيهم مسؤولية مشتركة تتقاسمها الأسرة والمؤسسات التربوية والثقافية، إذ لم يعد من الممكن أن تقوم جهة واحدة بهذا الدور بمعزل عن الأخرى في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة. فالأسرة تمثل البيئة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الطفل، ومنها يكتسب منظومة القيم والسلوكيات التي تؤثر في مستقبله العلمي والاجتماعي. وقد أثبتت دراسات علمية متعددة منها دراسة ( تهنيات بيج وآخرون، 2021). أن مشاركة الوالدين الفاعلة في حياة الأبناء تسهم بشكل مباشر في تحسين تحصيلهم وسلوكهم؛ فقد بيّنت الدراسة. أن الأبناء الذين يحظون بمتابعة أسرية منتظمة ترتفع لديهم احتمالات تبني سلوكيات صحية إيجابية بمقدار 1.8 مرة مقارنة بغيرهم، كما تنخفض لديهم احتمالات الانخراط في سلوكيات خطرة بنسبة قد تصل إلى 70% في بعض المؤشرات.
وقد دعمت هذا التوجه أبحاث رائدة في مجال التربية منذ سنوات، من أبرزها أعمال الباحثة (جويس ،1995).
أن الشراكة بين المدرسة والأسرة والمجتمع لها دور بارز، مؤكدة أن التكامل بين هذه الأطراف يمثل الإطار الأكثر فاعلية لدعم نمو الطالب أكاديميًا وسلوكيًا. كما أجرى الباحث (وليم جينيس) تحليلات إحصائية واسعة نُشرت أعوام 2005 و2007 و2012، وأظهرت نتائجه وجود علاقة إيجابية قوية بين مشاركة الأسرة وارتفاع التحصيل الدراسي، حتى بعد ضبط المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية. وفي السياق ذاته؛ أكدت دراسة (نانسي هيل وديانا تيسون) عام 2009 أن التوجيه الأسري الأكاديمي خلال المرحلة المتوسطة يرتبط بتحسن ملحوظ في نتائج الطلبة مقارنة بأنماط المشاركة التقليدية المحدودة.
ولا يقتصر الأمر على الدور الأسري فحسب، بل إن المدرسة تمثل البيئة المنظمة التي تُترجم هذا الدعم إلى نتائج ملموسة عبر المناهج والأنشطة والإرشاد التربوي.
ويشير الباحث (جون هاتيي) في كتابه الصادر عام 2009، والذي استند إلى أكثر من 800 تحليل بحثي، إلى أن العوامل الأسرية والتغذية الراجعة المنزلية تُعد من المؤثرات ذات الأثر المرتفع في نجاح الطلبة. وهذا يؤكد أن الأداء الأكاديمي لا يتشكل داخل أسوار المدرسة وحدها، بل هو حصيلة تفاعل مستمر بين البيت والمدرسة.
أما المؤسسات الثقافية، فهي تضيف بُعدًا تكميليًا مهمًا في بناء وعي الأبناء وترسيخ هويتهم الوطنية. فالأنشطة الثقافية، من ندوات ومعارض وبرامج شبابية، تفتح أمام النشء آفاقًا فكرية أوسع وتمنحهم فرصًا للتعبير عن ذواتهم بصورة إيجابية. وفي سلطنة عُمان، تقوم جهات رسمية مثل وزارة الثقافة بتنظيم فعاليات وبرامج موجهة لفئة الشباب تسهم في تعزيز الانتماء والاعتزاز بالهوية، وهو ما يعزز التكامل بين ما يتعلمه الطالب في المدرسة وما يكتسبه من أسرته.
وختاما، إن تكامل الأدوار بين الأسرة والمؤسسات التربوية والثقافية يحقق منظومة تربوية متماسكة، تُوحِّد الرسائل القيمية، وتُعزِّز الرقابة الإيجابية، وتُحصِّن الأبناء من التأثيرات السلبية المحيطة بهم. فكلما ازداد التنسيق والتواصل بين هذه الأطراف؛ ارتفعت فرص بناء جيل واعٍ قادر على التفكير النقدي، ومتمسك بقيمه، ومؤهل للمساهمة الفاعلة في تنمية مجتمعه. ومن هنا فإن الاستثمار في تعزيز هذه الشراكة لا يمثل خيارًا تكميليًا؛ بل ضرورة استراتيجية لضمان استقرار المجتمع ونهضته على المدى البعيد.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights