الإثنين: 09 فبراير 2026م - العدد رقم 2821
مقالات صحفية

لا تكترث بما يقال عنك

عواطف السعدية

لا تجعل أقوال الناس موضع سلطان على قلبك ، لأنهم لا يرون منك إلا الظاهر والله وحده يرى السر وما استقر في النية..
فكم من كلمة أُطلقت بجهل أو هوى لا تعبّر عن حقيقتك ولا تنقص من قدرك عند الله شيئًا..
الوجع الحقيقي ليس في كلامهم ، بل في أن تنشغل به عن مراقبة قلبك..
فربك لا يحاسبك على ما قيل عنك ، بل على ما نويت وما قصدت وما أردت به وجهه سبحانه وتعالى .
حين يطمئن قلبك أن الله شاهد عليك ومطّلع على نيتك ، يخفّ ثقل الكلام مهما اشتد..
فالنية الصادقة ميزان خفي لا يراه الناس ، لكنه أعظم عند الله من كل المظاهر..
وقد يسيء الناس الفهم لأنهم ينظرون بعين التجربة لا بعين العدل..
أما الله فيعلم دوافعك قبل أفعالك ويزن صدقك قبل نتائجك..
فلا تحزن إن أُسيء تأويلك ما دمت تعلم أنك لم تُرد إلا الحق..
ولا تلتفت إلى ضجيج الأحكام ، لأن الجزاء لا يُبنى على الظنون..
الطمأنينة الحقيقية أن تعمل لله ، لا لتصفيق الناس ولا لرضاهم..
ومن عاش بهذه البصيرة سلم قلبه من التشتت والانكسار..
فالقلوب التي تعلقت بنظر الله لا تهتز من كلام البشر..
وما دام قصدك مستقيمًا ، فإن الله يتولى عنك الدفاع والإنصاف..
فاستقر واطمئن لأن من علم النية تكفّل بالجزاء.. من أعلى مراتب الجهاد أن تجاهد حُزنك حين يثقل على قلبك ولا تجد له تفسيرًا يريحك..
أن تقف أمام الألم ثابتًا لا هاربًا ولا جاحدًا ، وأنت تعلم أن الله يراك في هذا الموضع..
فالتقبّل ليس ضعفًا ولا استسلامًا ، بل عبادة تحتاج قوة داخلية عميقة..
أن تحمد الله وقلبك موجوع ، هو جهاد لا يراه الناس لكنه عظيم عند الله..
وأن تشكره في زمن المحنة وأنت لا تفهم الحكمة الكاملة ، هو صدق الإيمان..
فالنفس تميل للاعتراض حين يخالف القدر هواها ، لكن الروح المؤمنة تتعلّم التسليم..
ليس مطلوبًا منك أن تفهم كل شيء ، بل أن تثق بمن بيده كل شيء..
فكم من أمر آلمك في لحظته وكان في حقيقته نجاة مؤجلة..
وجهاد الحزن أن تمنع قلبك من السخط ، ولسانك من الشكوى التي تُضعف الرضى..
أن تقول الحمد لله لا لأنك مرتاح ، بل لأنك مؤمن بعدل الله ورحمته..
وأن تضع أمورك بين يديه وأنت لا ترى إلا الظلام ، هو قمة التوكل..
وما دام قلبك متجهًا إليه ، فإن الألم لا يضيع بل يتحول أجرًا..
جهاد الحزن يصنع إنسانًا أعمق إيمانًا وأقرب فهمًا لحقيقة الدنيا..
ومن سلّم أمره لله في أشد لحظاته ، خرج منها بقلب أقوى ونور أبقى..
الإنسان في أعماقه يعلم حقيقة نفسه حتى وإن حاول إخفاءها خلف الأعذار الجميلة..
ضميره مرآة صادقة لا تخدعه الكلمات ولا تضلله التبريرات..
قد يقنع الناس بما يقول لكنه لا يستطيع أن يقنع قلبه بما يعلم أنه غير صحيح..
الله جعل في داخله بصيرة تميّز بين الحق والهوى مهما اختلطا..
وكلما حاول الهروب من الحقيقة وجدها تلاحقه في سكونه وصمته..
الأعذار قد تسكّت الآخرين لكنها لا تسكّت الوعي الذي يعيش داخله..
فالإنسان يشهد على نفسه حتى لو زيّن خطأه بحجج كثيرة..
وما أعمق هذه الآية حين تكشف أن المحاكمة تبدأ من الداخل قبل الخارج..
القلب يعرف موضع الخلل حتى لو أنكرته الشفاه..
والنفس تدرك ميلها حتى لو لبسته لباس الصواب..
من امتلك شجاعة المواجهة سلم من خداع ذاته..
ومن صدق مع نفسه اقترب من صدق الإيمان..
لأن الاعتراف بالخطأ باب للتوبة لا باب للهزيمة..
والبصيرة التي وهبها الله نعمة لمن أحسن استخدامها..
فمن راقب نفسه بصدق نجا يوم لا تنفع المعاذير..
النيّة الطيبة لم تتغيّر، لكن نظرة الناس لها وتعاملهم معها تغيّرت.
النيّة الطيبة في جوهرها صفاء القلب، والرغبة في الخير، والتعامل بحسن ظن دون انتظار مقابل، هذا المفهوم ثابت، لم يتغير مع الزمن، لأنه مرتبط بالقيم الإنسانية والدينية، لكن الذي تغيّر وعي الناس وتجاربهم
كثرة الخيبات جعلت البعض يشكّ في كل تصرف طيب. صاروا يربطون النية الطيبة بالسذاجة أو قلة الحيلة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights