الأمانة .. حين تكون خُلُقا ووطنا

محمد بن علي بن سالم الشعيلي
لم تكن لحظة عادية عندما وقعت عيناي على ذلك المبلغ المالي في إحدى الأماكن العامة ، فلم يكن الموقف سهلًا، بل كان اختبارًا حقيقيًا للضمير قبل أي شيء آخر ، ترددت للحظات . . ليس لأنني فكرت في أخذه لنفسي بل لأنني شعرت بثقل المسؤولية. ماذا لو ضاع؟ ماذا لو وقع في يد غير أمينة؟ ماذا لو عاد صاحبه يبحث عنه فلا يجده؟
حينها حسمت أمري. قررت أن آخذ المال… نعم أخذته، ولكن ليس لأملكه، بل لأحميه.
من تلك اللحظة بدأت رحلة البحث عن صاحبه ، تحركت في محيط المكان، سألت، دققت، تواصلت مع مديري البنوك، وأبلغت الجهات المعنية في تتبع خيوط الوصول إلى مالك المبلغ ، فلم تكن مهمة يسيرة، لكنها كانت واجبًا لا يحتمل التأجيل.
استمرت رحلة البحث ثلاثة أيام ، بين نشر، واتصالات، واستفسارات، ومتابعات، حتى وفقنا الله بالوصول إلى صاحب المال بالتعاون مع شرطة عمان السلطانية ، وعندما أخبرته أن المبلغ كاملًا بحوزتي… حدث ما لم أكن أتوقعه.
انهار الرجل بالبكاء
لم يكن بكاء خسارة ولا بكاء فرح بعودة المال فقط بل كان بكاء امتنان وثقة ، و قال لي كلمات لن أنساها ما حييت:
“كنت أدعو الله أن يقع هذا المال في يد عُماني… فأنتم أهل الأمانة ، ولهذا جئت بأولادي إلى هذا البلد الشهم الكريم.”
تلك الكلمات كانت أكبر من أي شكر، وأثمن من أي تكريم شعرت حينها أنني لا أمثل نفسي فقط، بل مثلت وطنًا بأكمله، وقيمًا تربينا عليها، وأخلاقًا غُرست فينا منذ الصغر هذه الحادثة لم تكن مجرد إعادة مال مفقود، بل كانت تجسيدًا عمليًا لمعنى الأمانة ، فالأمانة التي لا تحتاج كاميرا، ولا تنتظر تصفيقًا، ولا تبحث عن إشادة. الأمانة التي تُمارَس لأنها خُلُق… لا لأنها موقف.
لقد أدركت في تلك اللحظة أن الأمانة ليست صفة فرد، بل هي هوية وطن، وسِمة شعب، وثقافة مجتمع.
وهنا يكمن المعنى الحقيقي:
الأمانة… حين تكون خُلُق وطن.



