نغار على الدين… فلماذا نُخالفه؟
علي بن مبارك اليعربي
ما الذي يجعل أمة تعلن غيرتها الصادقة على دينها، وتبدي استعدادها للدفاع عن رموزه بكل حماسة، ثم تتساهل في كثير من تعاليمه حين تنتقل من ساحة الخطاب إلى واقع السلوك؟ وكيف نفهم هذا التناقض بين غضب يتقدم عند الشعارات، وصمت يتكرر عند القيم والأخلاق والمعاملات اليومية؟ أسئلة يفرضها الواقع بإلحاح، ولا يجوز القفز عليها أو التهوين من دلالاتها.
يثير هذا المشهد قدرا كبيرا من الاستغراب؛ فنستنفر سريعا عند أي إساءة خارجية للدين، بينما يبهت الإنكار حين تنتهك الأمانة، أو يهدر العدل، أو يُساء للإنسان داخل المجتمع نفسه. ونرفض التجاوز إذا صدر من غير المسلمين، ونتسامح معه إن خرج من داخلنا، وكأن القيم الدينية خُلقت للاحتجاج لا للاحتكام، وللمحاسبة الخارجية لا للمراجعة الذاتية.
هذا التناقض لم ينشأ من فراغ، بل هو نتاج أسباب تربوية ودينية ونفسية وقيمية متراكمة. فقد ركزت التنشئة في كثير من البيئات على تعظيم المظهر الديني أكثر من ترسيخ جوهره، وعلى الدفاع عن الدين أكثر من تمثيله في السلوك. كبر بعضنا وهو يتقن لغة الغيرة والإنكار، لكنه لم يدرَّب بما يكفي على الصدق وضبط النفس واحترام الحقوق والعدل في المعاملة.
غاية الدين هي مكارم الأخلاق، والعبادة لا تؤتي ثمارها إلا إذا أثرت في السلوك. فالدين المعاملة، والتخلف الحضاري يبدأ حين يهتم المتدين بالمظهر دون الجوهر، ويركز على الشعارات مهملا حسه الأخلاقي.
كما أسهم الخطاب الوعظي أحيانا، وربما من حيث لا يقصد، في تكريس هذا الخلل، حين بالغ في التحذير من الأخطار الخارجية، وقلل من نقد الانحرافات الداخلية. وهنا يبرز الدور الكبير للتربية الدينية الصحيحة التي تؤكد تمثيل القيم في الحياة اليومية وليس الاكتفاء بالشعارات، والتربية النفسية التي تعلّم التحكم في الانفعالات، وممارسة التروي في مواجهة التحديات، والتربية القيمية التي تُعلي من شأن المسؤولية الفردية والاجتماعية.
مع ضغوط الواقع الاجتماعية والاقتصادية، جرى تبرير كثير من المخالفات الأخلاقية بدعوى الضرورة أو المصلحة، حتى أصبح التفريط في القيم أمرا مألوفا، لا يستدعي القلق ولا المراجعة. والأخطر أن هذا المسلك يقابل بالصمت، بل وبالتبرير أحيانا، وكأن الالتزام الأخلاقي ترف، بينما الغضب الانفعالي واجب ديني.
أي رسالة نبعثها للأجيال القادمة حين يرون انفصام واضح بين ما نرفع من شعارات، وما نمارسه في تفاصيل الحياة؟ وأي صورة نقدمها عن دين عظيم، إذا كان حضوره في أصواتنا أعلى من حضوره في سلوكنا؟
لقد قامت قوة المسلمين يوما على منظومة أخلاقية متماسكة، قبل أن تقوم على الخطاب والشعارات. وحين كانت القيم تمارس في الأسواق كما في المساجد، كانت سببا للوحدة والثقة والتماسك. وحين تراجعت الأخلاق، تآكلت الثقة، واتسعت دوائر الفرقة، مهما ارتفعت رايات الدفاع عن الدين.
والنقد هنا ليس جلد الذات، ولا تشكيكا في الغيرة الصادقة، بل دعوة جادة لتعزيز التربية الدينية والنفسية والقيمية، بحيث نغار على القيم كما نغار على الرموز، وأن ندرك أن أعظم دفاع عن الدين هو حسن تمثيله في السلوك اليومي، لا كثرة الصراخ باسمه.
ويبقى السؤال المفتوح الذي يستحق أن نتوقف عنده بصدق:
هل نريد دينًا نحتج باسمه حين نغضب، أم دينًا نتعامل به في سلوكنا كل يوم؟



