تعيينات دبلوماسية وردود أفعال متباينة: بين ثقل الأسماء ورهانات الخبرة
هادي أحمد العبدو
أعادت التعيينات الدبلوماسية الأخيرة إلى الواجهة نقاشًا قديمًا متجددًا حول معايير اختيار ممثلي الدول في الخارج، وحدود المفاضلة بين ثقل الأسماء، وتراكم الخبرة، والخلفيات الأكاديمية والمهنية التي تقف خلف هذه التعيينات. وبينما رأت بعض الأوساط في القرارات المتخذة خطوة نحو تعزيز الحضور الدولي، تعاملت معها أصوات أخرى بكثير من التحفظ، معتبرة أنها تفتح باب التساؤل أكثر مما تقدّم إجابات واضحة.
منذ الإعلان عن هذه التعيينات، بدا أن الرهان لم يكن على الوجوه الجديدة وحدها، ولا على الاستمرارية التقليدية، بل على مزيج معقد من الاعتبارات السياسية، والرمزية، والمؤسسية. ولا يمكن إغفال أن الخلفيات الأكاديمية، خصوصًا في مجالات العلاقات الدولية والقانون والاقتصاد السياسي، باتت تشكّل عنصر قوة في العمل الدبلوماسي المعاصر. فالدبلوماسي لم يعد ناقل رسائل فحسب، بل فاعلًا في بناء السرديات، وصياغة المواقف، والتفاعل مع منظومات دولية معقدة. غير أن هذا المعطى، على أهميته، لا يُغني عن شرط الخبرة العملية، ولا يعوّض غياب الاحتكاك المباشر بملفات التفاوض، وإدارة الأزمات، والعمل اليومي داخل مؤسسات دولية متعددة الأطراف. وهنا يتبلور جوهر النقاش: كيف يمكن المواءمة بين المعرفة النظرية ومتطلبات الممارسة؟
الخبرة: ما وراء الأرقام والمسميات
في خضم هذا الجدل، يبرز مفهوم «الخبرة» بوصفه أحد أكثر المفاهيم التباسًا في تقييم التعيينات. فالخبرة لا تُقاس بعدد السنوات التي قضاها المسؤول في موقعه، ولا بطول الأقدمية في السلم الوظيفي، بل بنوعية الأدوار التي أداها، والملفات التي تعامل معها، والقرارات التي كان جزءًا من صناعتها.
ويشير متابعون إلى أن بعض الأسماء، رغم حضورها الطويل في المشهد العام، لا تمتلك بالضرورة الخلفية المتكاملة التي تؤهلها لإدارة تمثيل دبلوماسي عالي الحساسية. فالتراكم الزمني، إذا لم يُرفق بتجربة نوعية، قد يتحول إلى حالة من الجمود المؤسسي، تُعاد فيها الأدوات نفسها لمواجهة واقع مختلف تمامًا.
في المقابل، برزت أسماء أخرى أقل بروزًا إعلاميًا، وربما أقصر زمنًا في المواقع الرسمية، لكنها راكمت خبرة فعلية من خلال العمل في ملفات تفاوضية دقيقة، أو عبر الانخراط في مؤسسات دولية، ومراكز تفكير، ومساحات تتطلب فهمًا معمقًا لتوازنات القوة والمصلحة. هذه النماذج تعيد تعريف الخبرة باعتبارها قدرة على الفعل، لا مجرد امتداد زمني للمسار الوظيفي.
إن الربط الآلي بين «الأقدمية» و«الكفاءة» يظل رهانًا محفوفًا بالمخاطر، خصوصًا في سياق دبلوماسي متغير، تتسارع فيه التحولات وتتراجع فيه قيمة القوالب التقليدية. فالدبلوماسي اليوم مطالب بامتلاك مرونة فكرية، وقدرة على قراءة السياق، واستعداد دائم للتعلم والتكيّف، وهي صفات لا يضمنها الزمن وحده.
وعليه، فإن المعيار الأكثر اتزانًا في تقييم التعيينات لا يكمن في السؤال عن: كم سنة خدم المسؤول؟ بل في: ماذا أنجز خلال تلك السنوات؟ وما إذا كانت خبرته — مهما كان عمرها الزمني — قادرة على ترجمة المصالح الوطنية إلى حضور مؤثر وفاعل على الساحة الدولية.
في المحصلة، لا تبدو الإشكالية في الأسماء بحد ذاتها بقدر ما تكمن في المنهج الذي يحكم الاختيار. فالدبلوماسية الحديثة تتطلب توازنًا دقيقًا بين ثقل الاسم وقيمة الأداء، وبين المعرفة النظرية والخبرة العملية، وبين رمزية التمثيل وفاعليته. ويبقى الرهان الحقيقي أن تتحول هذه التعيينات إلى ممارسة دبلوماسية أكثر ديناميكية وقدرة على التكيّف، تُحسن توظيف الخبرة — بمعناها العميق لا الزمني — لخدمة المصالح الوطنية، في عالم لم يعد يعترف إلا بالفاعلين القادرين على الفهم والتأثير معًا.



