عندما يصبح الإبداع عزلة

سعيد بن ناصر السعيدي
تتسع مساحات الإبداع وتتنوّع الهوايات من فنون وتصوير وكتابة وابتكار وبذلك تبرز صفات إنسانية متعددة ترافق الموهبة، بعضها إيجابي يدفع صاحبه إلى التميّز، وبعضها قد ينقلب من حيث لا يشعر إلى عائق يبعده عن محيطه ومن بين هذه الصفات، يطفو الغرور المفرط بوصفه إحدى الإشكاليات التي تستحق الوقوف عندها، لا يختلف اثنان على أن لكل إنسان قدرًا من الاعتزاز بالنفس، وهو أمر طبيعي ومطلوب في حدوده الصحية، غير أن الإشكال يبدأ حين يتجاوز هذا الاعتزاز حدّه ويتحوّل إلى شعور بالتعالي أو التقليل من شأن الآخرين، فنجد بعض الموهوبين مهما كان مجال تميّزهم ينظرون إلى من حولهم باعتبارهم أقل مستوى أو قيمة، وكأن الموهبة تمنح صاحبها تفويضًا غير معلن للحكم على الناس.
هذه النظرة وإن بدت في نظر أصحابها مصدرًا للفخر إلا أنها في الواقع لا تنتقص من الآخرين بقدر ما تنعكس سلبًا على صاحبها نفسه فالمجتمع لا يقيس قيمة الإنسان بموهبته وحدها بل بأخلاقه وأسلوب تعامله، وقدرته على احترام التنوع والاختلاف، ومهما بلغت الإنجازات فإن الغرور كفيل بأن يهدم ما بُني في لحظة واحدة، وتتجلّى هذه الظاهرة أحيانًا في النقد المستمر للآخرين لا بدافع التطوير أو الحوار البنّاء وإنما بدافع إثبات التفوّق وحين يتحوّل النقاش إلى ساحة للحدّة أو استخدام الألفاظ غير اللائقة فإن ذلك يكشف أن اللغة كما يقال مرآة الفكر، وأن الوعي الحقيقي يظهر في حسن الاختيار وضبط النفس فالتواضع لا يقلل من قيمة الإنسان وإنما يرفعه ويمنحه احترامًا أوسع مما يظن.
ولا يخلو المشهد من دائرة المحيطين بالمغرور أولئك الذين يبالغون في المديح أو يسايرون دون قناعة، بعضهم بدافع المجاملة، وآخرون بدافع المصلحة، وغالبًا ما تكون هذه العلاقة هشة سرعان ما تتبدل عند أول خلاف لتتحوّل إلى صراع صامت أو معلن، تنتهي معه مظاهر التصفيق وتبدأ مرحلة العزلة، ومع مرور الوقت يجد الشخص المغرور نفسه في دائرة أضيق، وقد يتحوّل دون أن يدرك إلى شخص منبوذ اجتماعيًا، ليس بسبب موهبته وإنما بسبب أسلوبه فالنقد الدائم، والتنمر، والحديث عن الآخرين، ثم تبادل المجاملات في العلن والطعن في الخفاء، كلها سلوكيات تستهلك أصحابها قبل أن تؤثر في غيرهم، ومثل هذه الفئة رغم وجودها في كل مجتمع تبقى محدودة التأثير، لأن الحوار معها غالبًا ما يكون مغلقًا على قناعة واحدة أنهم على صواب دائمًا وما عداهم مخطئون.
أمام هذا الواقع قد يكون التجاهل أحيانًا هو الخيار الأهدأ وترك كل شخص يراجع نفسه مع الوقت والتجربة، في خلاصة الحديث نصيحة صادقة لنفسي أولًا قبل الآخرين (( لا تستهِن بقدرات أحد مهما بدا لك بسيطًا أو حديث العهد في مجالك فالعمر لا يقاس بالسنين فقياسه بالعقل والتصرّف وقد يفوق ‘حديث الصنعة’ أستاذه يومًا ما فهذه سنّة الحياة، كن واثقًا بنفسك دون أن تسقط من قيمة غيرك فالقناعة والتواضع لا ينتقصان من الإبداع، بل يمنحانه عمقًا وإنسانية تدوم.



