الأزمات المتنقّلة : كيف يُعاد تشكيل الشرق الأوسط خلف الكواليس؟

أحمد الفقيه العجيلي
بحسب تحليل للصحفية الإسبانية لوز غوميز في صحيفة إل باييس، فإن عام 2026 لن يكون عام سلام، بل بداية مرحلة جديدة من الهيمنة الصهيونية.
وترى غوميز أن إسرائيل لا تتحرك ضمن حسابات أمنية محدودة، وإنما تمضي نحو مشروع واسع يهدف إلى إخضاع الشرق الأوسط بأكمله، عبر هندسة دقيقة لمراكز القوة تُدار خلف الكواليس، وتُعاد من خلالها صياغة موازين النفوذ لعقود مقبلة.
اطلعتُ على هذا الطرح التحذيري الآتي من قلب إسبانيا، وربطته بسلسلة مسارات متداخلة تمتد من غزة إلى طهران، ومن الشرق الأوسط إلى فنزويلا، في مشهد لا تبدو فيه الأحداث منفصلة أو عشوائية، بل محكومة بمنطق واحد يقوم على إعادة توزيع الأزمات بدل إنهائها.
ومن يتابع مسار الأزمات في المنطقة يلحظ نمطًا متكررًا: توتّر يهدأ في ساحة ليشتعل في أخرى، وأزمات تُدار بدل أن تُحل، بما يُبقي الدول في حالة استنزاف مزمن ويُضعف قدرتها على الفعل المستقل.
هكذا تُستنزف الدول دون إسقاطها المباشر، ويُدار الصراع بدل حسمه.
في هذا السياق، تبرز غزة بوصفها ساحة اختبار لهذا النمط، حيث يُستثمر الاستنزاف الطويل والضغط السياسي لفرض اتفاقات مرحلية تُبقي الجرح مفتوحًا دون عدالة حقيقية أو حل جذري.
هذا النموذج لا يقتصر على الساحة الفلسطينية، بل يتكرر، بأدوات مختلفة، في محاولات استهداف دولٍ ذات ثقل إقليمي. وفي هذا السياق، تكشف التجربة الإيرانية عن تعثّر مسارٍ راهن على توظيف الاحتجاجات المطلبية ودفعها نحو العنف والفوضى بغية إضعاف بنية الدولة أو إسقاطها. ورغم الإخفاق في تحقيق هذا الهدف، فإن الخطر لم يُرفع بالكامل؛ إذ ما تزال احتمالات التصعيد الخارجي قائمة، في ظل رغبة إسرائيلية معلنة في توجيه ضربة، وحشدٍ عسكري أمريكي يُستخدم كورقة ضغط دائمة. هذا التوازن الهش يعكس منطق إدارة الأزمة لا حسمها، وإبقاء التهديد قائمًا بوصفه أداة ردع واستنزاف طويلة الأمد.
وفي السياق ذاته، لا يمكن تجاهل التحركات الإسرائيلية في محيط أفريقيا والبحر الأحمر، حيث أقدمت تل أبيب على الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي، في خطوة محسوبة بدقة تهدف إلى تثبيت موطئ قدم جيوسياسي يخدم مشروع الهيمنة الأوسع، ويؤمّن خطوط الملاحة، ويُربك التوازنات الإقليمية في واحدة من أكثر المناطق حساسية. هذه الخطوة لا تبدو معزولة، بل تأتي ضمن نمط متكرر من السعي لإعادة تشكيل النفوذ في مناطق بعيدة جغرافيًا، كما هو الحال في أمريكا اللاتينية، حيث تُستخدم أدوات الضغط السياسي والاقتصادي لتأمين الموارد، ومنع تشكّل محاور دولية موازية قد تُربك المشروع الغربي–الصهيوني الأشمل.
ووفقًا لما تكشفه هذه المسارات المتزامنة، يتضح أن التقسيم لم يعد يعني بالضرورة تفكيك الدول إلى كيانات صغيرة مُعلنة، بل تفريغها من قدرتها على الفعل المستقل، وتحويلها إلى دول مُنهكة، متنازعة داخليًا، أو خاضعة لاتفاقات تُدار من الخارج. وتشير القراءة المتأنية إلى سعي إسرائيلي لتفكيك بعض الدول العربية في المغرب العربي، وأفريقيا، والجزيرة العربية، عبر أدوات سياسية وأمنية واقتصادية متدرجة.
غير أن هذا المسار لم يمر دون انتباه، إذ فطنت قوى إقليمية ودولية إلى خطورته، ونجحت في تعطيل بعض مسارات التفكيك في أكثر من ساحة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم انتقال بؤر التوتّر بوصفه حركةً أحادية لمشاريع التفكيك، بل باعتباره انتقالًا في ساحات المواجهة ذاتها. فحين ينجح إفشال مشروع التفكيك في ساحة معيّنة، لا يتوقّف الصراع، بل تنتقل جهود التعطيل والمقاومة إلى ساحة أخرى يُعاد فيها تشغيل السيناريو نفسه. وبهذا المعنى، لا تتحرّك الأزمات وحدها، بل تتحرّك معها إرادة الإحباط، في سباق مفتوح بين مشروع يسعى لإعادة إنتاج التفكيك، وقوى باتت أكثر وعيًا بآلياته وأكثر استعدادًا لتعطيله حيثما ظهر.
وبهذا المعنى، يصبح الحديث عن «الدولة الصهيونية الكبرى» أقل أسطورية مما يُتصوَّر، وأكثر ارتباطًا بواقع يُصنع خطوة خطوة، عبر إضعاف الخصوم واحدًا تلو الآخر.
وفي هذا الإطار، تبرز التجربة السورية بوصفها مثالًا دالًا على إمكانية تعطيل مشروع التفكيك حين تتوافر عناصر الصمود والقرار السياسي. فبعد سنوات من محاولات إنهاك الدولة وإبقائها في حالة سيولة سياسية وأمنية، نجحت سوريا، بدعم من قوى إقليمية ودولية، في إفشال مسار كان يهدف إلى تفكيك الدولة وإعادة إنتاجها ككيانات متنازعة. هذا التطور لا يعني نهاية التحديات، لكنه كسر نمط «إدارة الصراع المفتوح»، وأثبت أن تعطيل المشروع ممكن حين يُواجَه بوعي استراتيجي وتماسك داخلي. وتخلص الصحفية الإسبانية في تحذيرها إلى أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب إعادة رسم قاسية، مؤكدة أن عام 2026 لن يكون عام الضعفاء.
خاتمة
الخطر الحقيقي لا يكمن في أزمةٍ بعينها، بل في القبول الصامت بمنطق الأزمات الدائمة، والتكيّف مع انتقالها من ساحة إلى أخرى، حتى يصبح التفكيك أمرًا معتادًا لا صدمة سياسية وأخلاقية.
عام 2026 لا يبدو عامًا عابرًا في مسار المنطقة، بل لحظة اختبار حاسمة: إما وعيٌ مبكر وسرعة تحرّك تُربك هذا المسار، أو انتظارٌ ثقيل حتى تتحوّل التحذيرات إلى وقائع، والوقائع إلى ندمٍ لا يجدي معه التدارك.



