الإنسان حبيس أفكاره
د. سعود ساطي السويهري
لا تكن سجينًا لماضيك؛ لقد كان درسًا فقط، ولم يكن سجنا مؤبدا، من هذا المنطلق من مقولة “فيودور دوستويفسكي” يمكن القول بأن لكل إنسان مرآة يرى العالم من خلالها، وقد تضع هذه الرؤية صاحبها في قفص الاتهام الذاتي؛ بأنه سبب لكل ما هو سلبي وكئيب، وبهذا يعيش الإنسان فيما يسمى بالسجن الكبير، وهو أقسى سجن يتوهم الإنسان فيه أنه المجرم والقاضي في نفس الوقت، فلا يستطيع الخلاص منه طيلة حياته وحتى مماته.
وإذا أردت أن تسمع أصوات العصافير فلا تصنع أقفاصا؛ بل ازرع أشجارا؛ لتغرد أصوات التفاؤل والتوجه نحو المستقبل، ولكن بعضهم يقوم بغرس بذور التشاؤم والإحباط والأفكار غير المنطقية والشاردة، ويقوم بنحت أفكار سلبية في ذهنه تؤثر على مناحي حياته، فيعتقد أنه فاشل، وأنه ضعيف الشخصية وعديم الجدوى؛ فيتصف بالخيبة واللوم والتأنيب والتعميم السلبي، والاختلاف هنا يكمن في طبائع الشخصية وسماتها وتنشئتها وتهذيبها.
وحين يُقيم الإنسان داخل هذا السجن الكبير المغلق، يعيش حبيس أفكاره؛ فيجهل العالم، ويظل غريبا ووحيدا؛ لأنه يحيا داخل السجن الذي يبنيه عقله وقلبه، حيث يحاصر من مشاعره المكبوتة والمقيدة، وأفكاره المظلمة، وللأسف فإن جدران هذا السجن ليست من البناءات المعروفة، والحديد والأسلاك الشائكة؛ بل هي من بنائه الفكري السيئ والقاتم، وخوفه من الحاضر والمستقبل، وتفكيره المنصب على الخيبات والذكريات الماضية، فيسعى للوحدة والعزلة، فيجد نفسه بعيدا عن ذاته؛ فلا يستطيع التفكر كيف الخلاص والملاذ، فيعيش ويلات توهم المرض والأعراض اللامنطقية فيما يختص بالنفس والجسم والمشاعر والحياة ككل.
وطالما أن المسؤول عن إرادة الإنسان العقل والقلب والمشاعر؛ فالتغيير الفعال لا بد أن ينطلق من تلك المهام، فالعقل قادر على التغيير، والإنسان قادر ويستطيع مساعدته، فالأدمغة ليست ثابتة؛ بل هو عضو يتسم بالتغيير والمرونة والتكيف، والتغلب على جميع الأفكار اللاعقلانية المدمرة للذات، والتنظيم الذاتي، وإعادة ترتيب الضروريات والأفكار والأولويات، وقادر على التعافي من ويلات الإبقاء على التعاسة وطلب المساعدة والمساندة.
كما أن المشاعر السلبية والنظرة التشاؤمية ولوم النفس المبالغ فيه، يمكن التحكم فيه من خلال العلاج العقلاني الانفعالي، والوعي بالذات، والذكاء الوجداني، والتعقل، واليقظة العقلية، والتعلم الاجتماعي الوجداني، وتقوية المناعة النفسية؛ فيستعيد الإنسان طاقته، وينظم مشاعره ووجداناته، وخبراته، ويتضح ذلك من خلال فهم مشاعره والتعرف عليها، من غضب وحزن وكبت واستسلام ولا مبالاة وغيرها.
أما عن القلب فلا علاج له أقوى من التعلق بالله ورسوله، واتباع شرع الله، وأوامره ونواهيه، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، والإبصار بعين القلب الذي ينبغي أن يتسم بالحب واللين، وتقوية القلب وتدعيمه بكل ما من شأنه أن يدعم النفس ويقويها؛ وبهذا يوثق الإنسان صلته بربه وبنبيه صلى الله عليه وسلم.
إن الخطوة الأساسية للخلاص من هذا السجن الكبير هو التفكير الإيجابي المسبب للمرونة والإرادة ومحاولات التغيير الفعال، والبدء في خطوات التحول الجذري من الأفكار اللاعقلانية إلى الحياة والواقعية، وطلب المساعدة من المختصين؛ بالفطنة إلى مسببات ومصادر المعاناة، والبوح لمن يهتم بأمرك، والتركيز على الأهداف الإيجابية بدلا من التركيز على المشكلات والذكريات الهدامة، ومراقبة الأفعال والطباع، والاختلاف بينك وبين الآخرين والناجحين، وحين تأتي لحظة التغيير الفعالة وتعديل المسار؛ سيجد الإنسان نفسه يحطم القيود، ويخرج من أقسى سجن يمكن أن يعاقب به؛ ألا وهو سجن الأفكار والمشاعر؛ ذلك السجن الذي يكون فيه بدون سجّان ولا قضبان، ولكنه يُقهر الشخصية والبنيان، ومع ذلك يستطيع الإنسان الخلاص والتحرر؛ حينما يحدد لنفسه التوقيت والأوان….



