تواصل أم علاقات

د. محفوظ بن خميس السعدي
يدعونا الواجب الأكاديمي والعلمي إلى وضع تفسير أو توضيح لأمرٍ يُعد من الإشكاليات التي تعترض البعض في الفهم والتفسير، مما ينتج عن ذلك أخطاء جسيمة في التنفيذ، أو تعترض التنفيذ بعض الهَنات والمعوّقات التي تحول دون تحقق الهدف أو مجموعة الأهداف التي تم رصدها لتحقيق الإنجاز المطلوب في ذلك الأمر.
والواضح الجلي أن التواصل والاتصال والعلاقات العامة بينهم إشكالية أزلية غير واضحة لدى البعض في تعريف كل مصطلح منها. وأي مصطلح يتم تعريفه وتصنيفه يسهل التعامل معه والتصرف في إطاره، كما يسهم في جلب النتائج المتحققة منه على أرض الواقع. وقبل الخوض في سيل من التعريفات لمفهوم العلاقات العامة ومفهوم التواصل، نجد أن هناك كتباً عدة تناولت المفهومين، منها على سبيل المثال لا الحصر: كتاب «فاعلية العلاقات العامة في البيئة الرقمية ودور القائم بالاتصال فيها» للمؤلفين الدكتور نجم العيساوي والدكتور سلطان القاسمي، الصادر عن دار إبصار ناشرون وموزعون بالأردن، وكتاب «العلاقات العامة وشبكات التواصل الاجتماعي» للمؤلف الأستاذ حسين محمود هتيمي، الصادر عن دار أسامة للنشر والتوزيع بالأردن، الطبعة الأولى عام 2015، وكتاب علي برغوثي «العلاقات العامة: أسس نظرية ومفاهيم عصرية» الصادر عن معهد البحوث والدراسات سنة 2007م، وغيرها من الكتب التي تناولت مفاهيم وأدوار ووظائف العلاقات العامة والتواصل والاتصال والإعلام.
وتُعرَّف العلاقات العامة (Public Relations) بأنها عملية استراتيجية لبناء وإدارة سمعة المؤسسة وصورتها الإيجابية عبر تبادل المعلومات وبناء علاقات متينة مع الجمهور ووسائل الإعلام، وتتضمن إدارة الأزمات، والتواصل الداخلي، والتسويق الإعلامي، باستخدام قنوات متنوعة مثل وسائل التواصل الاجتماعي والمطبوعات، لتعزيز الوعي بالعلامة المؤسسية وتحقيق أهدافها.
ولأهمية العلاقات العامة، تُنسب مقولة إلى بيل غيتس مفادها أنه لو بقي في جيبه دولار واحد لأنفقه على العلاقات العامة، وهي مقولة تؤكد الأهمية القصوى لهذا المجال في نجاح الأعمال والتواصل مع العالم، باعتبار أن هذا الاستثمار يُسهم في بناء السمعة، وتعزيز الثقة، والتواصل مع الجمهور والشركاء، ويفتح آفاقاً للنمو المستدام، ويُعد استثماراً طويل الأجل وليس مجرد تكلفة عابرة، فالجمهور هو أساس نجاح أي شركة أو مشروع.
وباختصار، تُعد العلاقات العامة العمود الفقري للتواصل الاستراتيجي للمؤسسات، إذ تهدف إلى خلق تفاهم متبادل، وتعزيز الصورة الإيجابية في عالم يتسم بالتغير المستمر، وبناء السمعة، وزيادة الوعي، وإدارة الأزمات، وأعمال التواصل الداخلي من أجل خلق بيئة عمل متماسكة وتعزيز الروح المعنوية للموظفين.
أما التواصل (Communication)، فيركز على الرسالة والصورة والسمعة، ويتمحور تعريفه حول كونه عملية تبادل نشط للمعلومات والأفكار والمشاعر بين طرفين أو أكثر، تتضمن إرسال واستقبال رسائل عبر وسائل متنوعة كالكلام، والكتابة، والإشارات، أو الصور، بهدف تحقيق فهم متبادل، وبناء علاقات، والتعبير عن الذات واحتياجاتها. والتواصل ينبع من القابلية التواصلية، وهو عملية مستمرة وأساسية للحياة الاجتماعية، تتطلب مشاركة بين المرسل والمستقبل، ويُعد ميدانه الأساسي العلاقات العامة، ضمن العملية التقليدية المعروفة لدى علماء الاتصال والعلاقات العامة والإعلام، والتي تشمل: المرسل، والمستقبل، والرسالة، والوسيلة، وردة الفعل أو رجع الصدى، وتنتهي بالوصول إلى الفهم أو التفاهم المتبادل في نهاية العملية.
ويتخذ التواصل أشكالاً متعددة، منها الشفهي (اللفظي)، وغير الشفهي (غير اللفظي)، والمكتوب، والمرئي. وهناك فرق بين تواصَل وتواصُل؛ فالأولى تُعنى باجتماع الواحد بالآخر أو باتفاق اثنين، بينما الثانية تُعنى بعملية الاتصال. والتواصل لغةً هو الاقتران والاتصال والصلة والترابط والالتئام والجمع والإبلاغ والإعلام، ويعني إنشاء علاقة ترابط وإرسال وتبادل. وتواصَل الصديقان، أي واصل أحدهما الآخر في اتفاق ووئام، وتواصَل الحديث حول المائدة أي توالى، وتواصَلت الأشياء أي تتابعت ولم تنقطع، كما ورد في معاجم اللغة العربية.
وبالولوج إلى موقع التواصل الحكومي على شبكة الإنترنت، يقع بين أيدينا إصدار «الإطار العام لإعداد سياسات إدارة حسابات المؤسسات الحكومية على منصات التواصل الاجتماعي» لعام 2025م، إضافة إلى تحليل أداء المنصات الرقمية في سلطنة عمان، بهدف توحيد الخطاب الإعلامي الحكومي، مع وجود إحصائيات ومؤشرات رقمية تُظهر رصد ردود الأفعال حيال المشاريع الحكومية من قبل مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي.
ويُعد كل ذلك تأسيساً علمياً وأكاديمياً لمصطلحي التواصل والعلاقات العامة، وهو ما يعني أن الحديث عن التواصل الحكومي، ودوائر العلاقات العامة، ودوائر التواصل والإعلام، وجميع هذه المسميات، تصب في خانة واحدة من حيث الدور والوظيفة، والمتمثلة في بناء السمعة وقاعدة اتصالية داخلية وخارجية لأي فرد أو مؤسسة. فالتجمعات البشرية، مثل الأعراس وسبلة العزاء، تُعد نوعاً من التواصل وبناء العلاقات والتعارف، على سبيل المثال لا الحصر. كما أن الجولات السامية لمولانا جلالة السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، كانت ضمن التواصل الدائم والمستمر بين القيادة والشعب.
وعليه، فإن التواصل عملية متشعبة ومعقدة، وبحر طويل قد نغرق بين أدواره ووظائفه وأنماطه ومنطلقاته وأهدافه. غير أن مفصل الكلام والنقطة التي نركز عليها، بعيداً عن الإحصائيات والأرقام والفترات الزمنية لانطلاقة التواصل الحكومي، هو أن يكون التواصل الحكومي حلقة وصل إعلامية واتصالية بين القيادة والمواطن والفرد، وبين المؤسسة وطالبي الخدمة أو المستفيدين أو المراجعين. وقد طُبقت هذه العملية في فترة ما بصورة أحادية الجانب، أي من الحكومة إلى المواطن، لتوضيح الإنجازات والمشاريع، ورفع اللبس أو الصورة الضبابية حول بعض القضايا، دون التركيز الكافي على رجع الصدى وتقييمه.
وقد ارتبط مفهوم التواصل حينها بمنصات التواصل الاجتماعي بوصفها الأدوات المتاحة للتواصل المؤكد والناجع، مع الاعتماد على الإعلام في الانتشار والوصول إلى شريحة جغرافية وجماهيرية واسعة، وحُصر الأثر في مدى وصول المعلومة، دون الاهتمام الكافي بتلقي ردود الأفعال وتحليلها. وكان ربط التواصل والإعلام في دائرة واحدة مبرراً في تلك المرحلة، إلا أنه في المرحلة الراهنة، وبعد انتقال التواصل الحكومي إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، تبرز الحاجة إلى إعادة ربط الإعلام والعلاقات العامة في دائرة واحدة في جميع المؤسسات الحكومية، بحيث ينحصر دور التواصل الحكومي في تقييم ردود الأفعال، وتحليل الحالات المختلفة، وإدارة الأزمات.
وقد تجلى ذلك في بعض التجارب العملية، مثل ورشة أو دورة أو محاضرة نُظمت سابقاً من قبل فريق التواصل الحكومي حول كيفية إدارة الأزمات لدى الإدارات التي تدير قطاع القطارات في المملكة المتحدة، وبالتحديد في لندن، من حيث التعامل مع تأخير أو تقديم مواعيد الانطلاق أو الأعطال الفنية، وآليات التواصل مع الجمهور في مثل هذه الحالات.
وخلاصة القول، إن الأدوار والوظائف والأهداف والمهارات متداخلة بين العلاقات العامة، التي يُطلق عليها في الشرق العربي هذا المصطلح، بينما يُستخدم في المغرب العربي مصطلح الاتصال، وبين التواصل والإعلام، وكلاهما له مدارس ونظريات متعددة. وعليه، تبرز أهمية دمج هذه الدوائر في المؤسسات الحكومية ضمن دائرة واحدة تحت مسمى دائرة العلاقات العامة والإعلام، باعتبار أنها تشمل التواصل والاتصال والإعلام والترويج والتسويق، وذلك لتفادي تشتت الجهود وتشعبها، ولتحقيق الترشيق المؤسسي في الهياكل التنظيمية للقطاعين العام والخاص، وتقليل المصروفات، وتوحيد الإيرادات، حيث إن الوظيفة واحدة، وهي إظهار الأداء المؤسسي بالمظهر المطلوب عبر دائرة واحدة، لا عبر عدة دوائر متفرقة.



