زمهرير الحب.. ورياح البَرَد

يعقوب بن راشد بن سالم السعدي
كان رجلاً إذا حضر استقامت الأمكنة من حوله، لا لأن صوته يعلو، بل لأن حضوره يحمل طمأنينة القادة الذين لا يحتاجون إلى استعراض. قائداً فذّاً، ومعلماً معطاءً، كريم النفس، لا يعرف السكون ولا يأنس بالكلل، شهِماً مقداماً، يقف مع من حوله في الشدة كما في الرخاء، ويعامل الناس وفق سجيته وما يمليه عليه ضميره، لا وفق حساباتٍ صغيرة. لم يكن يخشى القادم، ولم يكن يحسب للحوادث حساباً يناقض ثقته العميقة بأن الأمور، مهما تعقّدت، إنما تسير وفق قدرٍ واحد، بيد الخالق وحده.
في ليلةٍ مقمرة، كان ضوء القمر ينساب فوق المدينة النائمة، كأنه يوقظ تفاصيلها الخفية، ويكشف جمالها المستتر في الظلال. في تلك الليلة، كان له موعدٌ آخر مع القدر، موعدٌ لم يسعَ إليه، ولم يختره بعقله، لكن قلبه كان قد سبق الجميع إلى القرار.
رآها تسير في أحد أروقة مبنى الثقافة والفنون، خطواتها هادئة، ونظراتها معلّقة بشيءٍ لا يُرى. مضى نحوها بثباتٍ يوحي بأن لقاءً سابقاً جمعهما في زمنٍ منسي. حياها بهدوء، فردّت السلام بابتسامةٍ مشرقة تشبه ضوء القمر حين يلامس سطح الماء. في تلك اللحظة، تسارع خفقان قلبه، لا من دهشة اللقاء، بل من إحساسٍ غامض بالاكتمال.
عرّفها بنفسه: أنا سلطان. ردّت: وأنا نغم. ثم قال، وكأن الكلمات خرجت من أعماقه دون استئذان: هل لليل أزهارٌ تتفتح مع القمر، كما تتفتح أزهار الصباح حين تعانق الشمس وتغتسل بقطرات الندى؟ مالت نظراتها نحو قدميها خجلاً، ثم تمالكت نفسها، وأخفت ابتسامتها، ورفعت عينيها نحوه قائلةً بصوتٍ هادئ يحمل حذراً دفيناً: لكن للأزهار شوكاً… وقد يُدمي الأنامل ويمزّق الكفوف. قالتها وعيناها تتقدان كجمرتين، وحين التقت نظراتهما لم تُطل النظر، فقد كان وجهه وضاءً، يشع نوراً يربك الليل، كأن الضوء يتسرّب من ملامحه لا من السماء.
تكررت اللقاءات دون اتفاق، وكأن الأقدار كانت ترتبها بصمت. لم يكن بينهما وعدٌ صريح، لكن الانجذاب كان حاداً، عميقاً، لا يحتاج إلى اعتراف. كان يصغي إليها كما يُصغى إلى حكايةٍ شخصية، وكانت تجد فيه ملاذاً من ضجيجٍ داخلي لم تفهمه يوماً.
طال الأنس واستطال، حتى صار الغياب بين لقاءٍ وآخر وجعاً صامتاً. ومع الوقت، وفي لحظة ضعفٍ إنساني لا تُدان ولا تُبرر، انزلقت الروحان إلى قُربٍ ظنّاه خلاصاً، ولم يدركا أنه بداية التصدّع.
ثم اختفت. لم تترك رسالة، ولا أثراً، كأن الأرض ابتلعتها دفعةً واحدة. بحث عنها في الأماكن التي شهدت ضحكاتهما، عاد إلى الأروقة نفسها، سأل الوجوه، ونادى اسمها في داخله حتى بحَّ صوته. وحين ضاق به اليأس، قصد بيت أمها.
هناك تلقّى المفارقة القاسية. الأم كانت تظن أن ابنتها ما زالت في صحبته، وكانت تعرف بعلاقتهما وتطمئن إليها. ردّ على أمها بردٍّ قاسٍ خرج منه تلقائياً دون قصد التجريح، لكنه كان في غصّةٍ من أمره. إذا كان الأساس متهالكاً فلن تقوم أعمدة البيت. خرج من البيت وهو يشعر أن الحقيقة لا تُكسر دائماً، أحياناً تُقلَب حتى تفقد معناها.
مرت أشهرٌ ثقيلة، إلى أن التقاها صدفةً في شارعٍ لم يتفقا على موعدٍ فيه. بدت مختلفة، شاحبة، منهكة، وبطنها يحمل سرّاً لم يكن مستعداً لمواجهته. ظنّ أنها تزوّجت، فابتسم بمرارة، لكنها سارعت إلى سرد حكايةٍ موجعة، مليئة بالخوف والانكسار. اتهمت أقرب الناس، برّرت هروبها، اعترفت بالضياع، وأخفت ما لم تشأ له أن يُقال.
لم يناقش كثيراً. كان في صدمة، والوجع كاد أن يفتك به. الأيام الجميلة التي جمعتهما كانت كافية لإسكات الشك. ساعدها، لا بطولةً في ذلك، بل وفاءً لذكرى حبٍ ظنّه صادقاً. بحث لها عن بيتٍ يؤويها، لكن الأبواب أُغلقت في وجه امرأةٍ وحيدة. عندها قال للمؤجر، في لحظةٍ فاصلة: إنها زوجتي. كانت تلك الجملة بداية كذبةٍ طويلة.
صار يدفع الإيجار، ويشتري مؤونة البيت، ويتصرّف كزوجٍ حاضرٍ غائب. ومع مرور الوقت، بدأت زوجة المؤجر تشك، تراقب وتكثر الأسئلة، فهي تسكن في البيت المجاور. حاولت الشابة التهرّب، لكن الحصار اشتد، فطلبت منه أن يحضر ويمثّل دور الزوج أمامها. حضر، جلس، شرب القهوة، ابتسم، كذب بهدوءٍ موجع. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد مجرد مساعد، بل أسير دورٍ لم يعد يعرف كيف يخرج منه.
في إحدى زيارات السوق لـنغم وزوجة الرجل المؤجر، وأثناء ركوب مركبة أجرة، صادفوا سائقاً من قرية سلطان. عرّفته زوجة المؤجر بالشابة قائلةً: هذه نغم زوجة سلطان، الرجل من قريتكم. لم يحتج الخبر إلى زمنٍ طويل ليصل. صار حديث القرية، وزواج السر تحوّل إلى تهمةٍ علنية. وحين بلغ الخبر أهله، صار اقترابه من نغم عبئاً أخلاقياً ثقيلاً، لا يحتمله قلبه ولا يبرّره عقله.
وحين جاء وقت الولادة، استُدعي على عجلٍ من قِبل زوجة الرجل المؤجر. في المستشفى، التصقت به، راقبته في كل حركة. وعند مكتب الاستعلامات، وحين طُلبت البيانات، لم يستطع قول الحقيقة. قالها مرةً أخرى، وكأنها حقيقة: أنا زوجها. وقّع اسمه على كذبةٍ صارت واقعاً، ولو لساعات.
بعد يومين فقط من خروج نغم من المستشفى، أخذت طفلها وتركته أمام باب إحدى الشقق في حيٍّ تجاري سكني، ثم غابت. وفي اليوم التالي، اتصلت به، قالت إنها رحلت بعيداً مع ابنها، ثم أغلقت الهاتف. لم تعاود الاتصال.
مرت سنوات، التقى بأختها ذات يوم. هناك خرجت الحقيقة عاريةً من التبرير. لم يكن هناك اغتصاب، ولا ظلم كما صوّرَت له. كانت قد تعرّفت على رجلٍ آخر، أحبّته، وأنجبت منه الطفل. أما هو، فلم يكن سوى غطاءٍ مؤقت، ومخرجٍ آمن من الفضيحة. في تلك اللحظة، لم يشعر بالغضب، بل بالخواء. أدرك أنه لم يكن حبيباً ولا منقذاً، بل محطةً عابرة في طريقٍ أعوج.
لم يندم لأنه أحب، بل لأنه صدّق دون أن يرى. توشّح بشالٍ أسود وتدثّر به تحت عتمة السذاجة. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يرى القمر كما كان. صار يعرف أن بعض الأنوار لا تهدي إلى الطريق، بل تكشف ما كنّا نجهله عن أنفسنا، وتغرقنا في عتمة النفس.



