السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
مقالات صحفية

لا تذهب إلى سوريا؛ لأنك ستقع في الحب..

سليمان بن سعيد الزيدي

لا تذهب إلى سوريا؛ لأنك ستقع في الحب.. ستقع في حب الأرض حين تخاطبك بصمتها، وفي حب السماء حين تنحني فوقك كأمٍّ رؤوم، وفي حب الكلمات التي تنساب من أفواه أهلها نقيةً، عذبةً، كأنها قطرات ماء فاضت من ينابيع الروح..
هنا سترى وجوهًا أحبّت الحياة رغم القسوة، وتاقت للحرية بعزةٍ وشموخ،هنا ستلمس وجع السنين،وستسمع أنين الماضي وهو يهمس بين الجدران، لكنّك، في الوقت ذاته، ستعانق شموخ العز وكبرياء تاريخٍ لا ينحني.

هنا ستقع في حب الشام، حين تحتضنك دمشق، أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، المدينة التي تنازعتها الحضارات كما يُنازع العروسُ الخُطّاب، فتتمنّع بكبريائها، وتشمخر بجمالها، وتشيح بوجهها عن كل من لم يفهم سرّها، فتؤثر العيش بعزلةٍ وسلام، وقد سطّرت بين جدرانها، وفي شوارعها وأزقتها القديمة، جمالًا لا يدركه إلا من وعى التاريخ وعاش بين سطوره.

وكعادتي، قادني شغف التجربة وسبر الأغوار إلى بلادٍ حالمةٍ أنهكتها الحروب لكنها ما زالت تتوق للحياة. عرضت الفكرة على كثيرين، فكان التثبيط حاضرًا، والخوف سيد الموقف، ولم أجد من يشجّعني..
إلا أنني، كعادتي، أبني قراراتي على قناعاتي الداخلية لا على آراء الآخرين.
غادرت أرض المطار، فاستقبلتني أرض الياسمين بشوق محبٍّ وعتب حبيب. تنفست هواءها العذب، مشيت في أسواقها العتيقة، وتهت في أزقتها الضيقة، وقرأت في حجارتها تاريخًا عريقًا لا يُملّ.

خالطت أهلها، فوجدت الطيبة والجمال، عشقت اللهجة السورية التي تنساب كلماتها إلى عمق روحك قبل أن تبلغ سمعك.
ولم تخلُ رحلتي كعادتي في السفر من صداقاتٍ جديدة، مع أصحاب قلوبٍ نقية وأرواحٍ شفافة.
وكان من بينهم الأستاذة ندى، التي أبهرتني بفكرها النيّر، وخلقها الرفيع، وثقافتها الواسعة، وابنتها الجميلة راما، التي تنظر إلى الحياة بعين طموحة وقلب شغوف، وتسعى لأن تترك أثرًا لا يُنسى في الحياة.

فقد نظرت في عينيها فرأيت جمال دمشق وسحر سوريا.. ورأيت فيهما مستقبلًا عظيمًا،
وشموخًا، وعزًا قادمًا.
كنت أعيش في كل خطوة قصة، وأنسج من كل حوار رواية.
تعجبت من وجود سياحٍ أجانب من إيطاليا وألمانيا وصربيا والصين، وكأن العالم، رغم كل شيء، ما زال يعرف طريقه إلى الشام.
سكنت في البيوت الدمشقية القديمة، فعُدت إلى عبق الماضي، وشعرت أن الزمن قد خفّف من خطواته احترامًا للمكان.
عدتُ
وفي قلبي أملٌ كبير أن تنهض شعوبنا العربية، وأن يعود لها عزّها ومجدها، وأن تكون كالثريّا في سماء التقدّم والرقي .. أحببت سوريا.. وسأعود قريبًا، بشوق محب طال شوقه للحبيب.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights