السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
مقالات صحفية

حين يعلو الصخب .. ويغيب المعنى

   محمد بن سعيد العلوي

مقارنة في اختلاف استقبال الزمن بين العام الجديد وشهر رمضان

يواجه الإنسان في نهاية كل عام تجربةً متكرّرة، لكنها كثيرًا ما تكشف له ما غاب عن وعيه طوال الشهور: ضجيجٌ متصاعد، احتفالاتٌ صاخبة، انبهارٌ بالمظاهر، وتسابقٌ محموم مع الزمن في سباقٍ لا يدرك كثيرون غايته ولا نهايته. فالزمن، بما يحمله من أيامٍ ولحظات، ليس مجرّد أرقامٍ تُدوَّن على التقويم، بل مرآةٌ صادقة تعكس أولويات المجتمعات، وعمق وعيها، وما تختزنه من قيمٍ أو فراغ.

ومن المشاهد اللافتة في هذا السياق، التباينُ الواضح بين الصخب المصاحب لاستقبال العام الميلادي الجديد، وبين الهدوء الذي يلفّ استقبال شهر رمضان المبارك داخل كثير من المجتمعات الإسلامية، ففي ليلة رأس السنة، تنتشر الأضواء، والفعاليات، والألعاب النارية، والعدّ التنازلي، في مشهدٍ تختلط فيه المظاهر بالضحك والموسيقى، بينما يغيب عن الكثيرين سؤال المراجعة، ومحاسبة النفس، واستشراف القادم بروحٍ واعية ومنضبطة.

في المقابل، تمرّ أشُهر الحُرم مرور الكِرام كما يُقال خاصًة عندما يمُرّ شهرُ شعبان الذي ارتبط تاريخيًا بالتهيئة الروحية بهدوءٍ شبه عابر، ليطلّ شهر رمضان، ذلك الموسم الذي يحمله المسلمون في قلوبهم باعتباره فرصةً للغفران، وصيام الجسد والروح، وتجديد الصلة بالله. ومع ذلك، فإن التفاعل المجتمعي مع هذا الشهر العظيم لا يوازي في كثير من الأحيان حجم الانبهار بالاحتفالات العالمية، إذ يُختزل رمضان أحيانًا في موائد الطعام ومواعيد المسلسلات، بعيدًا عن جوهره الحقيقي القائم على محاسبة النفس والارتقاء الروحي.

قال الله تعالى:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾

(سورة البقرة: الآية 185)

فالقرآن في رمضان هو جوهر الشهر وروحه، لا مجرّد علامةٍ زمنية على تقويم السنة. وهو دعوةٌ صريحة لإعادة ترتيب حياة الفرد والمجتمع، ومراجعة ما انحرف عن مساره. ولهذا كان السلف الصالح يعدّون شعبان شهر الاستعداد والمراجعة، ورمضان شهر القلوب اليقِظة والنجاة.

وقال رسول الله ﷺ:

«أَتَاكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ».. (رواه النسائي)

وهنا تتجلّى المفارقة بوضوح: كيف تُستقبل السنة الجديدة بحماسةٍ واحتفاءٍ بالغ، بينما يُستقبل رمضان بما يحمله من فضلٍ وأجرٍ وقيمٍ أخلاقية راسخة بفتورٍ أو اعتياد؟

 إنها ليست أزمة دين، بقدر ما هي انعكاس لتحوّلٍ في أنماط التفاعل الاجتماعي، وهيمنة المظهر على المعنى في الثقافة السائدة.

قال تعالى:

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾

(سورة الحديد: الآية 20)

فالفرح مشروع، والاحتفاء مباح، لكن حين يعلو الصخب ويغيب المعنى، يفقد الإنسان بوصلته، ويغدو الاحتفال استهلاكًا للوقت والطاقة دون أثرٍ حقيقي في بناء الذات أو ترسيخ القيم.

إن الملاحظة الجوهرية التي يلمسها كل مراقبٍ واعٍ، هي أن المظاهر غلبت المعاني، وأن الوعي المجتمعي بات بحاجةٍ إلى إعادة ترتيب، ليكون استقبال الزمن محكومًا بالقيم لا بالمظاهر وحدها. فاحتفالٌ بلا مراجعة، وصيامٌ بلا استعداد، كلاهما يترك أثرًا ناقصًا في النفس والمجتمع.

وفي الختام، يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل فردٍ وجماعة:

كيف نستقبل الزمن بكل محطّاته بروحٍ واعية، تعيد للمعنى مكانته، وللقيم حضورها في تفاصيل حياتنا اليومية؟

سؤالٌ قد يكون بداية الإصلاح، وطريق بناء مجتمعٍ متماسك، وإنسانٍ قادر على التوازن بين ضجيج العالم وسكينة الإيمان.

غفر الله لنا ولكم ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات…

اللهم رُدّ المسلمين إليك ردًّا جميلًا…

اللهُم نسألك حُسن الخاتمة…

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights