الثلاثاء: 13 يناير 2026م - العدد رقم 2794
مقالات صحفية

منفعة كبار السن… حين لا تكفي الأرقام

 أحمد الفقيه العجيلي

تمثّل مرحلة التقاعد، لدى شريحة من كبار السن، انتقالًا إلى الاعتماد بدرجة أكبر على منظومة الحماية الاجتماعية باعتبارها عنصرًا داعمًا للاستقرار المعيشي. ومن هذا المنطلق، أثارت القرارات الأخيرة المرتبطة بمنفعة كبار السن ضمن منظومة الحماية الاجتماعية نقاشًا مجتمعيًا واسعًا، خاصة مع خروج فئة من المستفيدين وفق معايير محددة.

هذا النقاش لا ينطلق من الاعتراض على مبدأ التنظيم أو المراجعة الدورية للاستحقاق، بقدر ما ينطلق من محاولة فهم الأثر الواقعي لهذه القرارات على فئة من كبار السن الذين ينتمون إلى شريحة المتقاعدين. فعدد منهم كانوا، قبل الإحالة إلى التقاعد الإجباري، ضمن الطبقة المتوسطة، يعتمدون على دخل ثابت بُنيت على أساسه التزامات طويلة الأمد، من قروض سكنية وتعليمية وأعباء أسرية ممتدة. ومع التقاعد، تقلّص الدخل وبقيت الالتزامات، فأصبحت منفعة كبار السن بالنسبة لهم عنصرًا مكملًا للاستقرار، لا موردًا إضافيًا، إذ كانت تسهم في تغطية جزء من الالتزامات الثابتة التي استمرت بعد التقاعد، وتخفيف أثر الانتقال المفاجئ من دخل وظيفي إلى دخل تقاعدي محدود.

الإشكالية المطروحة لا تتعلّق بمبدأ إعادة التقييم بحد ذاته، بل بآلية التطبيق التي اعتمدت معيارًا رقميًا واحدًا حاسمًا. فاعتماد مبلغ (1250 ريالًا) كخط فاصل للاستحقاق يثير تساؤلًا مشروعًا حول مدى قدرته على عكس الدخل المتاح فعليًا بعد خصم الالتزامات البنكية الأساسية وتكاليف المعيشة المتزايدة، لا سيما في مرحلة عمرية تقلّ فيها فرص التكيّف مع المتغيرات المالية.
ومن المهم التأكيد أن منفعة كبار السن ليست مكافأة، بل أداة حماية اجتماعية تهدف إلى تعزيز الاستقرار في مرحلة عمرية حساسة. كما أن الوفاء المؤسسي لا ينفصل عن مراعاة خصوصية هذه المرحلة عند تصميم المعايير وتطبيقها، بما ينسجم مع مقاصد الحماية الاجتماعية.

وقد لا يكون من الأنسب معالجة تحديات الاستدامة المالية عبر قرارات يترتب عليها نقل الأثر الاجتماعي من فئة إلى أخرى؛ إذ إن كلا الطرفين يمثلان حاجة اجتماعية حقيقية، ويستدعي الأمر مقاربة توازن بين متطلبات الاستدامة والاستقرار المعيشي، خصوصًا حين يتعلق الأمر بكبار السن.
وربما كان وقع القرار أخفّ لو اقترن بوضوحٍ أكبر في مسارات دعم الباحثين عن عمل، وضمانات عملية لتشغيلهم، بما يعزّز الفهم المجتمعي لطبيعة إعادة التوجيه. أمّا خروج بعض كبار السن من المنفعة دون تقييم كافٍ لواقعهم المعيشي، فقد يخلّف شعورًا بالقلق ويحدّ من الإحساس بالشراكة المجتمعية.

وفي القراءة المجتمعية، تبدو هذه الإجراءات – بصيغتها الحالية – أقرب إلى إعادة توزيع داخل نطاق محدد من المنافع، لا إلى توسعة شاملة لمظلّة الحماية الاجتماعية. وهو انطباع قد لا يعكس المقصد، لكنه يبرز حين تُطبّق معايير عامة دون تقييم فعلي لصافي الدخل أو مراعاة للحالة الأسرية وعدد المعالين.
إن مراجعة معايير منفعة كبار السن لا تعني التراجع عن الإصلاح، بل تعني تعميقه وتجويده. فالمواءمة بين الاستدامة المالية وحماية كبار السن تقتضي مرونة أكبر ونظرًا أدقّ في الواقع المعيشي لهذه الفئة، باعتبارها رصيد خبرة وذاكرة وطن. وحين تُصاغ سياسات الحماية الاجتماعية بروح التوازن والإنصاف، فإنها تعزّز الثقة العامة، وتؤكد أن الأمان في خريف العمر جزء أصيل من معنى الدولة الراعية.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights