فهل من مُدّكِر؟!

أحمد بن سعيد السعيدي
رأينا جميعا كيف عرّت “غزة” كل مستور، وكشفت كل مجهول،
وأوضحت للعالم حقيقة العالم الذي نعيشه.
حتى بانت الحقائق، وزال الغبار والعوائق،
واتضح الكاذبُ من الصادق، والصريح من المنافق.
في خضمّ الدمار الذي يعيشه أهلنا في “غزة”، يقف الإنسان المتأمل أمام مشهدٍ يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة،
إلى عمق النفس الإنسانية. فليست الحرب مجرّد معركة بين قوى؛
بل هي مرآة كاشفة، ومحرّك للأرواح نحو التأمل في معنى النعمة، والابتلاء، والصبر، والإيمان.
حين نرى صور الأطفال يبيتون بين الأنقاض،
وأصوات الأمهات تبحث عن أبنائهن تحت الركام؛
ندرك فجأةً كم كنّا غافلين عن أبسط ما نملك:
سقفٌ يأوينا، كوب ماءٍ بارد،
ضوءُ كهرباءٍ لا ننظر إليه إلّا عند انقطاعه.
نعيش في رخاءٍ ممدود، ولا نحسّ بعمق النعمة حتى نشاهد من حُرمها عنوة.
لقد كانت غزة، رغم جراحها، مدرسة كبرى في الصبر والثبات.
تجعلنا نرى أن عشرين سنة من شكوى أحدنا من مشكلة
لا تساوي صباحا واحدا يصبح عليه أبٌ أو أمٌ في “غزة”،
وهم لا حول لهم ولا قوة مع بكاء أطفالهم من الجوع
وعيشهم دون مأوى والموت الذي يتربص بهم كل ساعة،
ونحن ننتقد الطعام إن فقد قليلا من ميزانية مكوناته.
نتأفف من كل ما حولنا رغم النعم التي تحيط بنا،
نشتكي من عناد أطفالنا وهم يرون أطفالهم يتطايرون أشلاء.
فمتى نعقل ونرى ما نحن فيه من فيض النعم، وواسع الرزق،
متى نرى ما نحن عليه من رخاء، ومتى نستشعر ما علينا من حقٍ تجاه ما نصبح ونمسي عليه من خير؟!
علمتنا “غزة” الكثير لمن أراد أن ينظر بقلبه،
أما من كان له مما رأى في إخواننا الدموع فقط؛ فربما جفت، فكأنه ما بكى، ولا رأى من الحكم البالغة؛ ألا فهل من مُدّكر؟!



