مقالات صحفية

حين تحدثت السيدة الجليلة بلغة الإشارة…أصبح للصمت صوت

حمدان بن هاشل العدوي
عضو الجمعية العمانية للكتاب والأدباء
عضو الجمعية العمانية للأشخاص ذوي الإعاقة

في يوم الثلاثاء الموافق 12 مايو 2026م، وخلال رعايتها حفل تدشين فرقة ترانيم الأمل، ظهرت السيدة الجليلة حرم جلالة السلطان ـ حفظها الله ورعاها ـ وهي تتحدث بلغة الإشارة، في مشهد إنساني عميق تجاوز كونه لقطة بروتوكولية عابرة، ليحمل رسالة واضحة بأن الشمول الحقيقي يبدأ حين يشعر الجميع بأنهم حاضرون ومرئيون داخل المجتمع.

فأن تستخدم شخصية بهذا الحضور والمكانة لغة يفهمها الصم وضعاف السمع، يعني أن هذه اللغة ليست هامشية، وليست مجرد وسيلة بديلة للتواصل، بل حق أصيل، وجزء من كرامة الإنسان ووجوده الطبيعي داخل المجتمع.

لغة الإشارة ليست “إشارات” فقط، بل هي لغة كاملة تحمل المعنى والمشاعر والثقافة والهوية، وحين تستخدم في خطاب رسمي أو مناسبة عامة، فإنها تمنح فئة واسعة شعورًا طال انتظاره: “نحن حاضرون… نحن مفهومون… وهناك من يخاطبنا بلغتنا”.

ذلك المشهد لم يكن مجرد استخدام رمزي للغة الإشارة، بل كان موقفًا يحمل وعيًا عميقًا بمعنى الشمول الحقيقي. فالمجتمعات لا تقاس فقط بما تمتلكه من مؤسسات وخدمات، بل بقدرتها على جعل جميع أفرادها يشعرون بأنهم مرئيون ومسموعون ومفهومون دون استثناء.
وقد أكدت الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة هذا الحق بشكل واضح وصريح، إذ نصت المادة الثانية من الاتفاقية على الاعتراف بلغات الإشارة باعتبارها لغات قائمة بذاتها، وليست مجرد وسائل مساعدة.

كما أكدت المادة التاسعة المتعلقة بإمكانية الوصول ضرورة اتخاذ التدابير المناسبة لضمان وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى المعلومات والاتصالات والخدمات المختلفة، بما في ذلك توفير وسائل التواصل المناسبة للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية.

أما المادة الحادية والعشرون، فقد شددت على حرية التعبير والرأي والحصول على المعلومات، من خلال قبول وتسهيل استخدام لغة الإشارة، وتشجيع الجهات الرسمية والمؤسسات المختلفة على توفير وسائل التواصل التي تضمن مشاركة الأشخاص الصم وضعاف السمع بصورة متكافئة مع الآخرين.

كما أشارت المادة الرابعة والعشرون المتعلقة بالتعليم إلى أهمية تهيئة البيئة التعليمية المناسبة، بما يشمل تعلم لغة الإشارة وتعزيز الهوية اللغوية للأشخاص الصم.

هذه النصوص القانونية والحقوقية لم تأت من فراغ، بل جاءت نتيجة إدراك عالمي بأن العائق الحقيقي لا يكمن دائمًا في الإعاقة نفسها، بل في الحواجز التي يضعها المجتمع حين يعجز عن فهم الآخر أو التواصل معه. ومن هنا تبرز أهمية التفكير الجاد في إدراج لغة الإشارة ضمن المناهج الدراسية، ولو في الصفوف الابتدائية على الأقل.

فالطفل حين يتعلم منذ سنواته الأولى أن هناك لغة أخرى يتواصل بها بعض الناس، فإنه ينشأ على التقبل لا الاستغراب، وعلى الفهم لا العزلة. كما أن تعليم لغة الإشارة لا يخدم الأشخاص الصم فقط، بل يخلق مجتمعًا أكثر وعيًا ورحمة وإنسانية.

إن كثيرًا من الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية لا يعانون من فقدان السمع بقدر ما يعانون من فقدان القدرة على التواصل مع المجتمع من حولهم. لذلك فإن نشر لغة الإشارة في المدارس والمؤسسات والمساحات العامة ليس ترفًا ثقافيًا، بل خطوة حقيقية نحو العدالة الاجتماعية والإنسانية.

ما حدث في ذلك اليوم لم يكن مجرد حركة باليدين… بل رسالة كاملة تقول إن الإنسان لا يجب أن يبقى دائمًا هو الطرف الذي يحاول الاقتراب من المجتمع، بل على المجتمع أيضًا أن يخطو نحوه، بلغته، وبمشاعره، وبحقه الكامل في أن يكون مرئيًا بين الجميع.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights