الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

حواميم القرآن الكريم

د. أبو شفيق حميد الكناني

حواميم القرآن الكريم هي سبع سور متوالية، تبدأ من سورة غافر في الجزء الرابع والعشرين وتنتهي بسورة الأحقاف بداية الجزء السادس والعشرين، الآية الأولى من كل سورة هو الحرف المقطع “حم”، ثم الآية الثانية ذكر القرآن الكريم في آيات متماثلة أو متشابهة في العبارة، حيث تشترك سورتا الجاثية والأحقاف في بداية متماثلة وهي قوله تعالى: {حم· تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}, وقريب من هاتين السورتين بداية سورة غافر: {حم. تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}، وتشترك سورتا الزخرف والدخان في بداية متماثلة وهي قوله تعالى: {حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ}، وتتشابهان في الآية الثالثة من كليهما فثالثة الزخرف:
{إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، وثالثة الدخان: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ}، بينما تختلف سورة فصلت وهي ثاني الحواميم في آية فيها نصف البسملة:
{حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، وقد أخذ اسم السورة من آيتين هما الآية الثالثة والآية الرابعة والأربعين، حيث ذكر في الآية الثالثة الكتاب:
{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، وذكر في الآية الرابعة والأربعين القرآن: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ}، وقد وردت “قُرْآنًا عَرَبِيًّا” مرتين في الآيتين المشار إليهما الأولى لفظاً والثانية معنى، والجدير بالذكر أن لفظة “عربي” وردت في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة في عشر سور، مرتان في سورة فصلت وهذه النقطة من خصوصيات السورة، ولا ننسى أنها إحدى السور الأربع التي فيها سجدة واجبة.
وأما سورة الشورى فهي نسيج وحده، إنها السورة الوحيدة التي فيها حرفان من الحروف المقطعة وكل حرف آية، وأما الآية الثالثة فلم تبدأ بواو القسم بالكتاب كنظيراتها بل بدأت ب: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

وتكررت نفس البداية في الآية السابعة في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}, وفي الآية الثانية والخمسين في قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا}؛
وهي الآية ما قبل الأخيرة من السورة المذكورة، أي أن سورة الشورى بدأت بالوحي وانتهت بالوحي.
وإلى جانب بدايات الحواميم، بدأت سورة الزمر الخالية من الحروف المقطعة بذكر: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}, تلاها قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ},
وهذه البداية على نسق الحروف المقطعة، وذكرنا هنا سورة الزمر خصوصاً لأنها السورة السابقة لسورة غافر أول الحواميم، وقد وردت فيها آيات تخص الذكر الحكيم, مثل قوله تعالى في الآية الثالثة والعشرين: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ},
وهي من مشهورات الآيات، وقوله تعالى أيضاً في الآيتين السابعة والعشرين والثامنة والعشرين: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. وقد وردت عبارة “قُرْآنًا عَرَبِيًّا” في الآية الأخيرة.

وسورة الزمر إحدى السور العشر التي وردت فيها لفظة “عَرَبِيًّا” ونصف العدد ويزيد في سورة الحواميم.
مرتان في سورة فصلت الآيتان الثالثة والآية الرابعة والأربعون ومرة في سورة الزخرف الآية الثالثة ومرة في سورة الدخان الآية الثالثة، ومرة في سورة الشورى السابعة ومرة في سورة الأحقاف الآية الثانية عشرة، وخمس مرات في سورة متفرقة أخرى.
وكذلك فيما يخص “الذكر الحكيم”، قوله تعالى في الآية الحادية والأربعون من سورة الزمر: {إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ}.

ولعله أشهر ما قيل في الحواميم هذه الأبيات للشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي:
حاء الحواميم سر الله في السور
أخفى حقيقته عن رؤية البشر
فإن ترحلت عن كون وعن شبح
فارحل إلى عالم الأرواح والصور
وانظر إلى حاملات العرش قد نظرت
إلى حقائقها جاءت على قدر
تجد لحائك سلطانا وعزته
أن لا يداني ولا يخشى من الغير

وآخر دعوانا، أنا لا نقول إلا السلام ولا نفعل إلا التسليم أمام السبع الحواميم.
أسرار من الجمال والجلال تفوق الوصف وتحاكي الخيال.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights