السبت: 10 يناير 2026م - العدد رقم 2791
مقالات صحفية

مأزق النية الشريفة

إسماعيل بن مسعود بن غفيل الراشدي

في فضاء هذا العالم المعلوماتي الغزير، تتدفق الأخبار والقصص والروايات التي تتناول شتى القضايا، وقد نستقي منها أجزاءً يسيرة من معلومات غير دقيقة. ولكن للأسف، يبادر بعضنا إلى حياكة الحبكات والإدلاء ببيانات مفتقرة للتحري، في انجرافٍ واضح نحو العاطفة دون تحكيمٍ للعقل أو بذلٍ للجهد في تعقب الحقائق. قد يتم ذلك عن قصدٍ لاستغلال الموقف، أو بغير قصد بدافع “النية الشريفة”؛ لكنه في نهاية المطاف يؤدي إلى تزييف الوقائع، مما يعكس أزمة وعي حقيقية تتطلب وقفة جادة مع الذات.

عندما يأتي الأجل فلا رادّ لقضاء الله، وإذا رحل المرءُ فهو في ذمة الله تعالى؛ وعلى الإنسان المسلم أن يدعو له بالثبات عند السؤال وبما تيسر من الدعاء، سواء كان يعرفه شخصياً أو سمع بوفاته؛ فالله غفور رحيم، والجنة عرضها السماوات والأرض. والواجب هنا يتجسد في تتبع القضية الإنسانية بصدق، ومحاولة مساندة الأسرة إن كان المتوفى هو عائلها الوحيد؛ فبذلك تتحول العاطفة من شعور سلبي عابر إلى فعل إيجابي مستدام، بدلاً من استهلاك الموقف واختلاق القصص لصنع “حدث” فُقدت أضلاعه الأساسية، وهي: دقة المعلومة، وجودتها، وفائدتها؛ مما يفضي حتماً إلى نوع من العبث الذي يغذي الفوضى المعلوماتية المؤذية.

وهذا يقودنا إلى «اختبار سقراط الثلاثي»، حيث تُمرّر الأخبار عبر ثلاثة أسئلة: هل الخبر حقيقةٌ متيقن منها؟ وهل المعلومة جيدة؟ وهل هي مفيدة؟. فما لم تكن كذلك، فلا تستحق أن تشغل حيّزاً من عقولنا؛ وأعتقد أن استخدام هذه الفلاتر الثلاثة كفيلٌ بوأد الفتن والشائعات في مهدها.

إن اختزال حياة كاملة في مشهد واحد يعكس قلة إيمان ويقين بحكمة الله وقدرته؛ فكم من نماذج تعرضت لنوائب في الحياة فخرجت منها بأفضل النتائج، بل إنهم شكروا من ظلمهم، واستعانوا بالأسباب المتاحة. ولا ريب أنهم قد يتعثرون مرة أخرى، وقد يصلون أو لا يصلون؛ أما بالنسبة للحقوق فهنا يأتي دور المختص أو المسؤول –أياً كانت وظيفته– فهو الملزم الأول والأخير بتقصي الحالات ورد المظالم إلى أهلها. ويتوجب أيضاً على صاحب الحق أن يقتفي أثر كل الطرق المؤدية لاسترجاع حقوقه عبر المسارات القانونية؛ وهو أمر قد يحتاج إلى جهد ومثابرة وصبر ولكنه ممكن، فنحن في بلد المؤسسات والقانون.

العدل المطلق مكانه عند من لا تضيع عنده المظالم، ورحمة الله على من ودّعنا إلى دارٍ هي خير من دارنا. وفي الختام، ليحذر من يعتلي المنابر ومن يملك السلطة من ابتزاز الحقوق من أصحابها، فـ “عند الله تجتمع الخصوم”.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights