الإثنين: 09 مارس 2026م - العدد رقم 2849
مقالات صحفية

البوصلة الأخلاقية

إسماعيل بن مسعود بن غفيل الراشدي

عندما تتجه الأضواء إلى الأشخاص الحقيقيين الذين يستحقون أن يكونوا رمزًا للتفاني والشجاعة، تتبيّن حينها أن المشاعر الإنسانية والصفات الأخلاقية هي الميزان الذي تُقاس به شجاعة الإنسان وإقدامه. فهذه المعايير تنبع دائمًا من الفطرة السليمة، رغم كل ما لوّثته المصالح والمؤامرات والنزاعات القائمة على العرق والدين. ومع ذلك، نقول إن البوصلة الإنسانية، إذا ما عُيِّرت بشكلٍ صحيح، ستتجه دائمًا نحو الشمال.

ما حدث في سيدني قبل أيام لم يكن حدثًا عَرَضيًا عابرًا، أو صدفةً سيمحوها الزمن سريعًا، بل سيظل برهانًا ساطعًا على عظمة الإسلام عندما يُطبَّق كمنهج حياة، وليس كمنطلق لعدوان أو همجية عشوائية. فديننا الإسلامي عُرف بالتسامح، ودعا إلى حفظ كرامة النفس، حتى في وقت الحرب، ناهيك عن وقت السِّلم.

أحمد الأحمد تواجد بين الجموع، وبطريقةٍ أو بأخرى كان بإمكانه الهروب أو الاختباء كغيره، لكنه أبى التراجع، وتسلّح بحماية الحافظ جلّ جلاله، وشجاعة المؤمن الصادق، لينقذ مئات البشر من مذبحة حقيقية. فبينما كان القاتلان يستعدان لحصد المزيد من الأرواح، انبرى لهما البطل أحمد ليوقف نزيف الأرواح.

لقد واجه القاتل والموت مباشرة، وتصدّى للبندقية وهو أعزل. حقيقةً، لا أعلم ما هي خلفية أحمد العسكرية، وهل كان لديه فعلًا معرفة بالفنون القتالية، لكن ما فعله كان أشبه بالخيال في عُرف الواقع.

ما قام به أحمد أشاد به العدو قبل الصديق؛ فموقف شجاع كهذا كفيل بأن يغيّر طريقة نظر الغرب إلى المسلمين. أضف إلى ذلك الموقف البطولي للمقاومة في التعامل المتسامح مع الأسرى، خاصةً في أحداث طوفان الأقصى، حيث ظهر جليًا أن الأصل في جوهر الإسلام هو السلام.

رأيناه رجلًا بسيطًا جدًا؛ فظهوره على شاشات التلفاز، وهو يطلب من والدته الدعاء له بأن يشفيه الله ويخفف عنه، جاء حديثه بعفوية وبساطة، مؤكدًا أن ما قام به كان فعلًا طبيعيًا. فهل كان طبيعيًا حقًا؟

قبل أيام من هذا الحدث كنا نجزم أن الإعلام مشوَّه، وأنه لا يرى إلا التافه والغبي والمهرّج، لكننا رأينا أن الفعل النبيل يفرض نفسه، وأن العمل الشجاع يُسطَّر دائمًا في صفحات التاريخ، وذلك بغضّ النظر عن الديانة والانتماء والعرق.

أحمد أصبح رمزًا للإنسانية والرحمة؛ فالإنسان السوي يحمي أخاه الإنسان ويرعاه. وما استشرى من عدوى تشويهٍ للإسلام والمسلمين خلال ردحٍ من الزمان، ألغاه فعلٌ واحد، مما يؤكد سلامة الفطرة ونقاء السريرة المنبثقة من روح الإسلام الصحيح. فهو دين السلام ودين الرحمة، ومهما حاول أعداء الدين تشويه صورته أو تمييع قيمته، سيظل يهدي البشرية إلى الحقيقة والصواب، كالشمس التي تنير الكون ولا يضيرها من يعيبها.

شكرًا لك يا أحمد؛ فقد أعدتَ إلى العقل الجمعي أن الفطرة البشرية ما زالت بخير.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights