زيارة غير متوقعة إلى المكان الذي صاغ البداية
خلف بن سليمان البحري
تأتي بعض الزيارات على نحوٍ مفاجئ، لكنها تحمل من الأثر ما يتجاوز التوقع. فالعودة غير المتوقعة إلى صرح علمي تخرّج منه الإنسان، كما حدث في زيارتي الأخيرة إلى كلية عمان للسياحة، ليست مجرد مرور عابر بين الممرات والقاعات، بل هي لحظة تعيد الاعتبار لدور التعليم في تشكيل الشخصية وصياغة الرؤية المهنية والحياتية.
فالإنسان، حين يجتاز بوابة المكان الذي شهد بداياته الأولى بما رافقها من تحديات وتجارب، يدرك أن المؤسسات الأكاديمية ليست فصولاً طواها الزمن، بل جذور ثابتة في أعماقه. هنا اكتشف قدراته الأولى، وتعلم كيف يدير ذاته، وكيف يصنع التزامه، وكيف يوجّه طموحه نحو مستقبل أكثر نضجًا ووعيًا.
وفي هذا السياق، كان لقائي بهيئة التدريس لحظة تحمل الكثير من الدلالات. فقد بدت تلك الوجوه التي خطّت معنا أول الطريق وكأنها امتداد لتلك الرسالة التي لم تتوقف يومًا. فالمربّون الذين دعّموا خطواتنا في البدايات ما زالوا يحملون الروح ذاتها في تشجيع الساعي إلى العلم، وما زال استعدادهم لمساندة الخريجين في مراحلهم المتقدمة جزءًا أصيلًا من رسالتهم الأكاديمية.
ومن خلال هذه الزيارة المفاجِئة لكلية عمان للسياحة، وما رافقها من حوار وتجوال ولقاء مباشر مع الهيئة الأكاديمية، أدركت بعمق أن لتلك العودة أثرًا يتجاوز مجرد استعادة الذكريات؛ فهي تكشف عن أهمية التواصل المستمر بين الخريج ومؤسسته التعليمية، وتعيد الإنسان إلى لحظة التأسيس الأولى التي صاغت مساره، وتذكره بأن العلم لا ينقطع بانتهاء الدراسة، بل يمتد أثره كلما تجدد اللقاء مع صانعيه.
ويطرح التجول في أروقة المؤسسات العلمية سؤالًا مهمًا: لماذا ينبغي للإنسان أن يكرر زيارة صرحه الأكاديمي بعد سنوات من التخرج؟
ومن منظوري الشخصي، أرى أن مثل هذه الزيارات لا تُعد مجرد استدعاء عاطفي للماضي، بل مراجعة واعية للمسار وتذكيرًا بقيمة البدايات التي صنعت الطريق. فالعودة إلى المكان الذي انطلقت منه تمنح رؤية أدق لما تم إنجازه، وتجدد في داخلي الطاقة المعرفية، وتغرس التواضع العلمي الذي يبقي الإنسان قريبًا من التطوّر والتعلّم المستمر. إنها عودة تعكس تطور الإنسان عبر الزمن، وليست توقفًا عند لحظة مضت.
كما تُعزّز مثل هذه الزيارات شعور الخريج بالمسؤولية تجاه مؤسسته التعليمية، وتدفعه لرد الجميل، سواء من خلال التعاون الأكاديمي، أو تقديم الخبرات المهنية للطلبة الجدد، أو دعم الأنشطة التي تسهم في تطوير المؤسسة. وهكذا تتحول العلاقة من علاقة طالب بجامعته إلى علاقة شراكة تمتد عبر الزمن، تقوم على الاحترام المتبادل والانتماء الصادق.
إن قيمة المؤسسات الأكاديمية لا تتجلى فقط خلال سنوات الدراسة، بل تتعزز كلما عاد إليها أبناؤها حاملين تجاربهم ووعيهم الجديد. ومن هذا المنطلق، أوجّه نصيحتي لكل خريج:
لا تبتعد عن صرحك العلمي. عد إليه كلما استطعت، تواصل مع من كان لهم أثر في تعليمك، وامنح من وقتك وخبرتك؛ فهذه العودة ليست زيارة للمكان، بل عودة للذات.
فالمرء، حين يعود إلى حيث بدأ، يكتشف أن المعرفة لا تُختزل في كتاب أو منهج، بل في بيئة صنعت منه ما هو عليه اليوم، وفي جذور تمنحه القوة للمضي بثبات نحو مستقبل أوسع مما تخيّل.



