الثقافة، روح المجتمع وصوته

صالح بن ناصر المحروقي
الثقافة في حياة المجتمع قلبٌ نابض، وهواءٌ يتنفسه، وروحٌ تسري في أوصاله، فإذا صلحت صلح معها مزاج الناس، وتهذبت أذواقهم، واعتدلت نظرتهم إلى أنفسهم وإلى العالم من حولهم، وكلما اشتدت عناية الأمم بثقافتها اقتربت من سكينة العيش، وابتعدت عن الفوضى والاضطراب، لذلك صارت الثقافة موضع اهتمام المصلحين ورواد الفكر وأرباب القرار، لأنها سلطة هادئة، تعمل في الأعماق حيث تتشكل القيم والعقول.
ومهما حاولنا أن نضع تعريفاً جامعاً للثقافة تظل المعاني أوسع من العبارات، غير أنّ الناس يكادون يتفقون على بعض سماتها الكبرى، فهي خاصية إنسانية يختص بها الإنسان دون سائر الأحياء، وهي فعل مكتسب ينمو بالتجربة والتعلم، وهي تراكمٌ ممتد يتجاوز أعمار الأفراد وحدود الأزمنة، فما يكتبه الناس، وما يشيع بينهم من عادات وأفكار وقوانين، يتحول مع الأيام إلى رصيد ثقافي يظل حاضراً حتى بعد رحيل الأجيال التي صنعته.
وليس صحيحاً أن الثقافة تنحصر في الشعر والرواية والمسرح وألوان الفن وحدها، فهذه صور لسانية وجمالية من تجلياتها، أما جوهر الثقافة فهو المعرفة حين تتحول إلى وعي ورؤية للحياة، فكل من يحمل معرفة راسخة متصلة بالواقع، ويستطيع أن يفسر بها ما يجري من حوله، وينقد بها الخطأ، ويهتدي بها إلى الصواب، يدخل في دائرة المثقفين وإن لم يكتب قصيدة، ولم يصعد على منبر أدبي، فالثقافة قبل كل شيء موقف معرفي من العالم.
والثقافة بدورها مادية ومعنوية معاً، مادية فيما يخص طرائق العيش من لباس وسكن وزراعة وصناعة ووسائل نقل، ومعنوية فيما يتصل بالقيم والأخلاق والقوانين والعقائد والأعراف والفنون، وكل هذه العناصر تتساند حتى تشكّل المزاج العام للمجتمع، وطريقة نظره إلى الخير والشر، وإلى الجمال والقبح، وإلى ما يستحق أن يبقى أو يزول.
وقد جرى الحديث قديماً عن ثقافة الفرد، ثم اتسع النظر في الأزمنة الحديثة إلى ما يمكن أن نسمّيه ثقافة المجتمع، وهي ليست حاصل جمع ثقافات الأفراد، وإنما هي ثمرة التراكم والتأثير المتبادل عبر السنين، فحين تتراكم الخبرة والمعرفة والتجربة تتحول إلى روح عامة تسكن الجماعة كلها، فتبدو في ذوقها الفني، واختياراتها السياسية، وعلاقات أفرادها ببعضهم، وفي قدرتها على التعايش مع الاختلاف.
ومع أهمية الثقافة في نهضة المجتمعات، فإن نشر الكتاب والخطاب وحده لا يكفي لصناعة حضارة متوازنة، إذ تحتاج الأمم إلى بيئة اقتصادية عادلة، وإلى منظومة أخلاقية صلبة، وإلى حد معقول من الأمان الاجتماعي، عندها تغدو الثقافة قوةً مضاعفة الأثر، وتجد الكلمة العاقلة طريقها إلى الأسماع، أما حين يستبد الفقر أو يشتد الظلم أو يشيع الانفلات، فإن أجمل الشعارات تفقد قدرتها على التأثير في الناس مهما بلغت بلاغتها.
ودور المثقفين في هذا السياق أن يكونوا بوصلة الوعي، يشرحون للناس ما يجري من حولهم، وينبّهون إلى مواطن الخلل، ويقترحون مسالك الإصلاح الممكنة، وعلى المجتمع أن يفتح أمامهم جسور التواصل مع الناس، وأن يتيح لهم منابر شريفة يسمع عبرها صوت الرأي الرشيد، كما أنّ على مؤسسات الدولة أن توسع لهم مجال الحرية المسؤولة، فتستفيد من نقدهم بدل أن تجعلهم أسرى الهامش، فالمجتمع لا ينهض بعدد الشهادات وحده، بل يحتاج إلى نخبة ثقافية تعي الطريق وتدل عليه.
وقد عرفت الإنسانية نماذج كثيرة لهذا الدور التوجيهي، من مجالس الشورى وأهل الرأي في التجارب الإسلامية الأولى، إلى المصلحين الذين قادوا نهضات أوروبا الحديثة، إلى النخب الفكرية التي ساعدت بعض الشعوب على إعادة بناء ذاتها بعد الحروب والكوارث، وفي مثل هذه التجارب يظهر أثر الكلمة الحرة حين تقترن بالمسؤولية والصدق، وتلتقي مع إرادة الإصلاح عند الناس وأهل القرار.
ومن رحم هذه الحاجة نشأت الملتقيات والمنتديات الثقافية، بوصفها فضاءات تلتقي فيها العقول والاهتمامات، وتتحاور فيها التخصصات والاتجاهات، فتقدّم للمجتمع محاضرات وندوات وأمسيات ومعارض، وتسعى إلى ربط الأجيال بتراثها، وإلى فتح نوافذ جديدة على قضايا الحاضر وأسئلته، وكلما اتسعت دائرة المشاركة فيها، ولامست برامجها حاجات الناس، تحولت هذه الملتقيات إلى رافد حيّ للوعي العام.
وفي مدن كثيرة نشهد مبادرات أهلية وجهوداً تطوعية تصنع حراكاً ثقافياً يستحق التقدير، فثمة فرق عمل تبذل وقتها لإعداد البرامج، وتختار موضوعات جادة، وتستضيف باحثين ومبدعين، وتزاوج بين المحاضرة والورشة والعروض الفنية الهادفة، وتحرص على إشراك فئات واسعة من المجتمع، من الطلبة إلى العاملين، ومن المهتمين إلى الفضوليين الذين يجذبهم الفضول فيبقون من أجل الفائدة.
ومهما شاب هذه التجارب من نقص، فإن إنكار أثرها جحود لا يليق، فبعض من يهون من شأن الملتقيات الثقافية يكتفي بمراقبتها من بعيد، ثم يصدر أحكامه بلا معرفة بما يبذل فيها من جهد، أو بما تحققه من أثر في نفوس الحاضرين، مع أنّ المتابعة القريبة تكشف عن تغيير حقيقي في اهتمامات كثير من الشباب، وفي نظرتهم إلى القراءة والمعرفة، وإلى دورهم في خدمة مجتمعهم.
وتبقى الاستمرارية شرطاً أساسياً لنجاح العمل الثقافي، فالمبادرة التي تُقام مرة واحدة ثم تنطفئ لا تترك في الذاكرة إلا صدى عابراً، أما الجهود التي تتكرر بانتظام، وتتطور محاورها، وتتراكم خبراتها، فإنها تبني مع الأيام رصيداً معرفياً واضح الملامح، وتحوّل الثقافة من حدث موسمي إلى عادة راسخة في حياة الناس، ومن واجهة احتفالية إلى ممارسة يومية تعيد تشكيل العقول والقلوب.
والاستمرارية وحدها لا تكفي من غير تجدد، لأن الأجيال تتغير، وأسئلة الشباب تتبدل، فينبغي أن تتنوع الموضوعات المطروحة للنقاش، وأن تُستخدم وسائل عرض قريبة من لغة العصر، من المرئيات التفاعلية إلى الحوارات المفتوحة، كما يحسن أن تتجدد أسماء المشاركين والمحاضرين، حتى لا تتحول الملتقيات إلى تكرار لأصوات محدودة يعاد استحضارها في كل مناسبة.
وعلى الشباب والفئة المثقفة بوجهٍ خاص أن ينظروا إلى هذه الفضاءات الثقافية بوصفها جزءاً من مسؤوليتهم، لا مجرد نشاط اختياري يمكن تجاهله، فالمشاركة بالحضور والاستماع والمناقشة خطوة أولى، يعقبها إسهام في البحث والكتابة والتوثيق، خصوصاً في مجالات التراث المحلي، والتاريخ الاجتماعي، وتجارب النجاح والإخفاق في مجتمعاتهم، فالأرض مليئة بالقصص الملهمة، لكنها تحتاج إلى من يحسن قراءتها وصياغتها.
والميزان العادل في تقييم أي نشاط ثقافي لا يكون في مقدار الضجيج الإعلامي الذي يصاحبه، ولا في عدد الصور المتداولة على الشاشات، وإنما في الأثر الذي يتركه في الوعي والسلوك، وفي البذور التي يغرسها في عقول الناشئة وقلوبهم، فإذا أفرزت هذه الجهود جيلاً يعرف قيمة هويته، ويحترم تاريخه، ويفكر بعمق في تحديات واقعه، فقد أدت الثقافة رسالتها، وآن للمجتمع أن يطمئن إلى أنّ مستقبله ينمو في صدور أبنائه قبل أن يُكتب في خططه ووثائقه.



