الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

تأشيرات مفتوحة، وأبواب مواربة

   صالح بن ناصر المحروقي

منذ الإعلان عن السماح لمواطني الفلبين بدخول سلطنة عمان دون تأشيرة لمدة أسبوعين ابتداءً من عام 2026، والشارع العماني يشعر بأنّ القرار جاء في لحظة لا تحتمل مثل هذا التسرع، وأنه يحمل في طيّاته أسئلة واضحة حول التوقيت والمبررات، وما يراه الناس هنا ليس اعتراضاً على التواصل بين الدول، ولا على المبدأ الإنساني الذي تقوم عليه العلاقات السياسية، وإنما على الطريقة التي تُدار بها السياسات المرتبطة بأمن المجتمع وصحته.

المشهد الدولي اليوم يتغير بسرعة، وكل دولة تحاول أن توازن بين واجباتها الأخلاقية وضروراتها الوطنية، وفي خضم هذه التحولات، بدا القرار مُستغرباً، خاصة بعد التقارير الرسمية التي صدرت في الفلبين نفسها بشأن الارتفاع الحاد في معدلات الإصابة بفيروس الإيدز بنسبة بلغت خمسة أضعاف خلال سنوات قليلة، بحسب تصريحات وزير الصحة وتقارير صحفية محلية وعالمية.

والأرقام تشير إلى أنّ الفئة الأكبر من المصابين تنتمي إلى الشباب، وهي الفئة الأكثر حركة وانتقالاً للعمل والسياحة، وهذا يجعل المخاوف الصحية مسألة موضوعية لا يمكن تجاهلها.

حين تُفتح الأبواب دون ضوابط دقيقة، يتحوّل الانفتاح من خطوة محسوبة إلى مغامرة غير مأمونة العواقب، صحيحٌ أننا جزء من هذا العالم، وأنّ الانغلاق ليس خياراً صالحاً، غير أنّ السياسات المتعلقة بالتأشيرات تحتاج إلى ميزان دقيق يضع سلامة المجتمع في مقدمة الاعتبارات، فالأمن الصحي هو جزء أصيل من أمن الدولة، وأي خلل فيه ينعكس على الاقتصاد والسلوك الاجتماعي، ونمط الحياة اليومية.

كما يطرح هذا القرار تساؤلاً مباشراً عن المعادلة التي بُني عليها، خصوصاً مع رفع الفلبين نفسها الحد الأدنى لأجور مواطنيها العاملين في الخارج إلى نحو مئتي ريال عماني، في محاولة للحد من هجرتهم، وهذا يفتح الباب لفهم سياق مختلف تماماً عمّا قُدّم في الإعلام المحلي، ويُظهر أنّ المسألة أعمق من فكرة تسهيل سياحي أو استقبال قصير المدى.

البلاد التي تُبقي أبوابها مواربة للداخل والخارج تحتاج إلى يقظة أعلى من غيرها، لأن الرياح التي تمرّ عبر الفتحة الصغيرة تحمل أحيانًا ما لا يُرى، وهذا ما كان يستدعي اشتراط فحص صحي صارم لكل قادم من تلك الديار، بحيث ترتبط التسهيلات بإجراءات تحفظ للناس حقهم في بيئة آمنة، فالقرارات السيادية لا تُدار بالرغبة وحدها، بل بالمعرفة، والأرقام هنا تقول أنّ الوضع الصحي في الفلبين يستوجب الحذر وليس التسهيل المطلق.

والمحزن أكثر أنّ القرار عُرض في الإعلام بوصفه إنجازاً وسبقاً إقليمياً، مع أنّ السبق الحقيقي ينبغي أن يُقاس في التعليم العالي، وفي مراكز البحوث، وفي البرامج الصحية، وفي البنية الاقتصادية التي تُعزّز مكانة الدولة وترفع جودة الحياة فيها، أما التوسع في منح الدخول المجاني لدولة تواجه أزمة صحية داخلية، فلا يندرج ضمن مكاسب الوطن بأي معيار.

ومن زاوية أخرى، يبقى السؤال عن معيار الندية في علاقاتنا الخارجية، إذ لا يظهر أنّ هذا الانفتاح مُدار وفق مبدأ المعاملة بالمثل، ولا وفق تقدير دقيق لتوازن المصالح، والدول التي تُحسن قراءة مكانتها في العالم تبني سياساتها الخارجية على أسس واضحة، وتحرص على ألا تُفتح الثغرات التي قد تستغلها الظروف أو المصالح المتغيرة.

إنّ هذا القرار بحاجة إلى مراجعة هادئة ومسؤولة قبل أن يتحول إلى سابقة تُفتح على أثرها أبواب أخرى بالطريقة نفسها، والحديث هنا ،كما قلنا سابقاً، ليس رفضاً للتواصل الإنساني، بل دفاع عن أولويات المجتمع، وعن حقه في سياسات مدروسة تحمي أمنه الصحي وتصون استقراره الاجتماعي.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights