سلطنة عُمان محايدة … كلمة لا تَسَعُها

سليمان بن حمد العامري
في مستهل الحديث، كثيرًا ما نسمع عبارة تتردد على ألسنة الناس: “عُمان المحايدة”. ولا شك أن هذه العبارة تُقال في الغالب على سبيل المدح، ويُراد بها الخير لعُمان وأهلها، وليس في حسن القصد ضير؛ فليس بغريب على هذه الأرض الطيبة أن تُذكر بالسلام، ولا على أهلها أن يُعرفوا بالحكمة، ولا على تاريخها أن يُستحضر كلما ذُكرت المروءة والاتزان وحسن الجوار.
غير أنني توقفت طويلًا عند هذه الكلمة: محايدة. لم يكن توقفي اعتراضًا على عُمان، بل على ضيق اللفظ حين يُلقى على معنى أوسع منه. فبعض الكلمات إذا كثرت على الألسنة أَلِفها الناس، حتى يظنوا أن شيوعها دليل على دقتها، مع أن الكلمة قد تشتهر وهي لا تؤدي المعنى كاملًا، أو تؤديه من جهة وتخذله من جهة أخرى.
فكلمة محايدة في الفهم الشائع توحي بالصمت التام، والوقوف البعيد، وعدم التدخل بين الخصمين؛ وكأن الحياد انصراف عن المشهد لا مشاركة في إصلاحه، وتركٌ للخصومة تمضي في طريقها لا سعيٌ إلى تهدئتها وردّها إلى ميزان العدل. فإذا تخاصم اثنان وقيل عن ثالث إنه حيادي، فهم الناس أنه لم يدخل بينهما، ولم ينصر مظلومًا، ولم يردع ظالمًا، ولم يفتح باب صلح، وإنما اعتزل الأمر كله وترك الخصوم وما هم فيه.
ومن هذا المنطلق ينهض السؤال: كيف نصف عُمان بهذا المعنى؟ كيف تكون عُمان محايدة وهي تسعى للصلح، وتقارب بين المختلفين، وتفتح أبواب الحوار، وتحرص على ألّا ينهار الجسر الأخير بين المتخاصمين؟ وكيف يكون حيادًا أن تقف دولة مع السلام، ومع الإنسان، ومع رفع الظلم، ومع صوت الحكمة حين يعلو ضجيج الصراع؟
إن الكلمة، بهذا الفهم العام، لا تكفي لوصف عُمان، بل قد تظلمها وهي تريد مدحها.
ولكي لا نظلم اللفظ ولا المعنى، لا بد من الرجوع إلى أصل الكلمة. فكلمة حادَ عن الشيء تدور في أصلها حول معنى الميل، والعدول، والتنحي، والابتعاد. وقد جاء هذا المعنى في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾
سورة ق: 19
فـ تحيد في الآية الكريمة تحمل معنى التنحي والفرار والابتعاد عمّا لا يريد الإنسان مواجهته. ولعل من المفيد أن نؤكد أن هذا المعنى يكشف الفرق بين من يحيد عن الأمر فرارًا أو تجنبًا، وبين من يبتعد عن الخصومة لا عجزًا، بل ليحفظ لنفسه مقام الإصلاح والإنصاف.
وحين ننتقل من المصطلح السياسي إلى المعنى القرآني والأدبي والأخلاقي، نجد أن كلمة الحياد وحدها تصبح قاصرة عن وصف عُمان؛ لأنها لا تمارس صمت المتفرج، ولا برودة المراقب، ولا عزلة من لا يعنيه الأمر، وإنما تمارس حكمة المصلح، وصبر الوسيط، واتزان المنصف.
وتجدر الإشارة إلى أن القرآن الكريم لم يدعُ إلى الوقوف البارد أمام الخصومة، وإنما دعا إلى الإصلاح والعدل، فقال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾
سورة الحجرات: 10
وقال تعالى:
﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾
سورة النساء: 128
وقال تعالى:
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
سورة الحجرات: 9
وتأسيسًا على ذلك، فالمقام ليس مقام حيادٍ سلبي، بل مقام إصلاحٍ وعدلٍ وقسط. فالمصلح لا يكون غائبًا، والمنصف لا يكون باردًا، وصاحب الحكمة لا يكون متفرجًا. إنه لا يدخل الخصومة ليزيدها نارًا، ولا ينحاز بهوى لطرف على طرف، لكنه يقف حيث ينبغي أن يقف الميزان: مع العدل، ومع الصلح، ومع حفظ كرامة الإنسان.
وعُمان، في هذا المقام، لا تحيد عن الحق، لكنها تتحاشى الخصومة. لا تنحاز للمحاور، لكنها تنحاز للسلام. لا تقف مع طرف لأن صوته أعلى، ولا ضد طرف لأن الناس ضده، بل تقف حيث يقف العدل، وتتحرك حيث تتحرك الحكمة، وتفتح بابًا للصلح حين تُغلق الأبواب.
إنها لا تدخل الأبواب الموصدة بفأس الصخب، بل تطرقها بمفتاح الثقة. ولا تقترب من الجراح بيدٍ خشنة، بل بيد المداوي الذي يعرف أن بعض النزاعات لا تحتاج إلى خطبة عالية، وإنما إلى كلمة صادقة، وصبر طويل، ونية لا تحمل خنجرًا خلف ظهرها.
وفي واقع الأمر، فإن الوصف الأليق بعُمان ليس أنها محايدة فحسب، بل أنها دولة إنصاف واتزان ووساطة؛ دولة تصلح ولا تؤجج، تجمع ولا تفرق، تنحاز للسلام دون أن تتورط في الخصام، وتقف على مسافة واحدة من الأهواء، ثم تقترب من الحق حيث كان.
وهنا يظهر الفرق واضحًا بين الحياد والإنصاف. فالحياد قد يكون موقفًا باردًا، أما الإنصاف فموقف أخلاقي. والحياد قد يعني ألّا تختار، أما الإنصاف فيعني أن تختار العدل دون ضجيج. والحياد قد يترك المظلوم وحيدًا بحجة عدم التدخل، أما الإنصاف فيمد له يدًا لا لتزيد الخصومة، بل لتمنع الظلم أن يتمادى.
ومن الخطأ أن نظن أن الحكمة ضعف، أو أن الهدوء غياب، أو أن عدم الصراخ دليل على عدم الموقف. فليست كل المواقف تُقال بالصوت العالي، وليست كل الدول تصنع أثرها بالتهديد والوعيد. هناك دول تصنع مكانتها لأنها موضع ثقة، وهناك مواقف تُبنى على طول النفس، وهناك كلمات هادئة تفعل ما لا تفعله الخطب الصاخبة.
وعُمان من هذا الباب: باب الحكمة الهادئة، والصلح المفتوح، والإنصاف الذي لا يجرح أحدًا، لكنه لا يبيع الحق لأحد.
إن عُمان لا تعتزل العالم لتنجو بنفسها، ولا تقترب منه لتكون طرفًا في صراعاته، وإنما تختار مقامًا أدق وأرفع: مقام الدولة التي تحفظ صلتها بالجميع حتى تستطيع أن تقول كلمة الخير للجميع. فهي لا تصرخ في وجه الخلاف، لكنها لا تغيب عنه. لا تزيد النار اشتعالًا، لكنها تبحث عن الماء. لا تُغلق بابًا في وجه أحد، لأنها تعرف أن الباب المفتوح قد يكون في لحظة ما طريقًا إلى نجاة كثيرين.
ومن هذا الفهم، فإن عبارة “عُمان المحايدة” تحتاج إلى بيان حتى لا تُفهم على غير وجهها. فإن أُريد بها أن عُمان لا تدخل في صراعات المحاور، فهذا معنى حسن. وإن أُريد بها أنها لا تزيد الخلاف اشتعالًا، فهذا مدح. وإن أُريد بها أنها تبقي أبوابها مفتوحة للجميع، فهذا من رجاحة السياسة وسمو الخلق.
أما إن فُهم منها أنها تقف صامتة أمام الظلم، أو بعيدة عن الإصلاح، أو لا يعنيها وجع المظلوم، فذلك معنى لا يليق بعُمان، ولا يشبهها، ولا يصف حقيقتها.
الأقرب أن نقول:
عُمان ليست حيادًا صامتًا، بل إنصافٌ حكيم.
ليست عزلة عن القضايا، بل جسرٌ بين المتخاصمين.
ليست برودًا أمام الألم، بل يدٌ هادئة تمتد حيث يشتد الوجع.
إنها عُمان التي لا تبحث عن التصفيق، ولا تشتري المواقف بالضجيج، ولا تجعل السلام شعارًا للاستهلاك. عُمان التي تؤمن أن الإصلاح لا يحتاج دائمًا إلى منبر، وأن نصرة الحق لا تكون دائمًا بالسيف، وأن أعظم المواقف أحيانًا أن تحفظ بابًا مفتوحًا حين يغلق الآخرون كل الأبواب.
وخلاصة القول، إنني لا أجد عُمان محايدة بالمعنى الذي يتداوله الناس، بل أجدها منصفة متزنة، وسيطة للسلام، راعية للصلح، ومائلة إلى الحق لا إلى الهوى.


