البركان الاجتماعي بين الخمود والانفجار
سيف بن علي العبري
إنّ دراسة الظواهر الاجتماعية الكبرى لا تنفصل عن البعد الديني والأخلاقي الذي يشكّل أساسًا لفهم حركة المجتمعات وتوازنها. فالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة قدّما إطارًا متكاملًا يوضح أن الظلم والفساد والتهميش عوامل تؤدي إلى انهيار البُنى الاجتماعية وتهديد الاستقرار العام. يقول الله تعالى:
﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ (سورة الكهف الآية 59) .
وهذا النص القرآني يبيّن أن الظلم حين يستشري في المجتمعات، ويُمارس بحق الشعوب، فإنه يُنتج حالة من التراكم والاحتقان تنتهي بانفجار يشبه انفجار البركان، يغيّر ملامح الأرض والإنسان معًا.
كما ورد في الحديث النبوي الشريف: “اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة” (رواه مسلم)، وهو تحذير صريح من عواقب الظلم، ليس فقط في الآخرة، بل أيضًا في الدنيا حيث يتحول إلى قوة مدمّرة تهدد استقرار المجتمعات.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن هذه النصوص الدينية تتقاطع مع النظريات الحديثة التي ترى أن الحرمان النسبي، وغياب العدالة، وانسداد قنوات التعبير، تؤدي إلى انفجار اجتماعي لا يمكن السيطرة عليه بسهولة. وكما أن البركان يظل خامدًا لسنوات قبل أن يثور بفعل تراكم الضغوط الداخلية، كذلك الشعوب حين تُثقل بالضرائب، وتُحرم من فرص العمل، وتُرهق بغلاء المعيشة، فإنها تختزن في داخلها طاقة احتجاجية قد تنفجر في لحظة ما، محدثة تغييرات جذرية في المشهد السياسي والاجتماعي.
وهكذا تُشبه المجتمعات في كثير من الأحيان البراكين الكامنة؛ فهي قد تبدو مستقرة وهادئة على السطح، بينما تتراكم في أعماقها ضغوط هائلة لا يراها أحد بسهولة الا فئة قليل من أصحابه النظرة الثاقبة والمتزنة. وكما أن البركان يظل خامدًا لسنوات طويلة قبل أن ينفجر بفعل تراكم الحمم والغازات، كذلك الشعب حين يتعرض إلى التهميش والضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فإنه يختزن في داخله طاقة احتجاجية قد تنفجر في لحظة ما. يهدف هذا المقال إلى تحليل هذه الظاهرة من منظور أكاديمي، مع إبراز التشبيه البركاني كأداة تفسيرية لفهم ديناميكيات الاستقرار والاضطراب.
أولًا: مرحلة الخمود الظاهري
في هذه المرحلة يعيش المواطن حالة من الصمت القسري، حيث تُمارس عليه سياسات التهميش والإقصاء دون أن يظهر رد فعل جماعي واضح. تتجلى هذه المرحلة في:
تسريح أعداد كبيرة من العاملين من وظائفهم.
ارتفاع الضرائب وتكاليف المعيشة بشكل غير متناسب مع الدخل.
أزمة الباحثين عن العمل وتضاؤل فرص التشغيل.
غلاء فواتير الكهرباء والماء والخدمات الأساسية.
تصريحات المسؤولين المغايرة للواقع والغير صحيحة.
هذه الضغوط تمثل “الحمم” التي تتراكم في باطن البركان الاجتماعي، دون أن تُرى على السطح.
ثانيًا: التراكم والضغط البنيوي:
مع استمرار السياسات غير العادلة، يتزايد الاحتقان الشعبي بصورة تدريجية. هنا يمكن الاستعانة بمفاهيم علم الاجتماع السياسي المتمثلة في الاتي: –
نظرية الحرمان النسبي: حيث يشعر المواطنون بأنهم محرومون من حقوق أساسية مقارنة بما يُمنح لغيرهم.
الانسداد السياسي: غياب قنوات التعبير الرسمي والشرعي عن المطالب.
ديناميكيات السلطة والهيمنة: حيث تُمارس فئة متنفذة سيطرتها على الموارد والفرص.
هذا التراكم يشبه ضغط الغازات في باطن البركان، الذي يزداد مع مرور الزمن حتى يصل إلى حد الانفجار، وحينها سيدرك الجميع حجم المشكلة الأساسية مقارنة مع قوة الانفجار.
ثالثًا : لحظة الانفجار:
عندما يبلغ الضغط ذروته، يحدث الانفجار الشعبي الذي يمكن أن يتجلى في صور متعددة مثلا:-
احتجاجات واسعة النطاق.
حركات اجتماعية تطالب بالإصلاح.
انهيار الثقة في المؤسسات الرسمية.
وكما أن انفجار البركان ليس حدثًا مفاجئًا بل نتيجة طبيعية لتراكم طويل الأمد، فإن الانفجار الاجتماعي هو حصيلة سنوات من التهميش والضغط.
رابعًا: النتائج والتداعيات:
كما هو معروف ومشاهد بعد توقف البركان من الثوران فأنه وبلا شك يُعيد تشكيل تضاريس الأرض بعد انفجاره، وهكذا سيكو عليه الحال فإن الانفجار الاجتماعي يعيد تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي. ومن المتوقع ان تكون النتائج على النحو التالي:
إعادة توزيع السلطة بشكل أكثر عدالة. إصلاحات اقتصادية واجتماعية تضمن حياة كريمة للمواطن. أو لا قدر الله في بعض الحالات، مزيدًا من الفوضى إذا لم تتم إدارة الأزمة بحكمة وعقلانية ونية صادقة في الإصلاح والتغيير.
الخاتمة (البعد الاستراتيجي):
إنّ تشبيه الضغوط الاجتماعية بالبركان ليس مجرد استعارة بلاغية، بل هو إطار استراتيجي لفهم طبيعة الأزمات التي قد تهدد استقرار الدول على المدى البعيد، فالمجتمع الذي يتعرض لتهميش اقتصادي واجتماعي وسياسي، ويُثقل كاهله بغلاء المعيشة والضرائب وانسداد آفاق العمل، يصبح في حالة تراكمية من الاحتقان لا يمكن تجاهلها. وإذا لم تُعالج هذه الضغوط عبر سياسات إصلاحية شاملة، فإن الانفجار الشعبي سيأخذ شكلًا استراتيجيًا يتجاوز حدود الاحتجاجات اليومية ليؤثر على عدة نقاط سأذكرها باختصار وبدون شرح او توضيح تاركا المجال للأخرين ممن لديهم الحس والتفكير العميق في الفكر الاستراتيجي البعيد المدى:
(الأمن الوطني، الشرعية السياسية، الاقتصاد الوطني، النسيج الاجتماعي.)
فإن البعد الاستراتيجي للمشكلة يكمن في أن معالجة الأزمات في اوانها او قبل وقوعها ولا يجب أن تكون رد فعل متأخرًا بعد الانفجار، بل رؤية استباقية تُدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، وإنما بالعدالة الاجتماعية، وتوزيع الفرص، ومكافحة الفساد، وإشراك المواطن في صناعة القرار. فكما أن إدارة البراكين تتطلب مراقبة دقيقة واستعدادًا مبكرًا لتفادي الكوارث، كذلك إدارة المجتمعات تتطلب سياسات استباقية تُخفف الضغط قبل أن يتحول إلى انفجار يغيّر ملامح الدولة بأكملها .



