ضرائب ترهق الاقتصاد وتُفقر المجتمع

صالح بن ناصر المحروقي
من يراقب حركة الحياة في الأسواق، وفي تفاصيل المعيشة، وفي وجوه الناس المتعبة، يدرك أنّ تغيّراً عميقاً يمرّ بالبلاد، وأنّ القدرة الشرائية للأسر تتراجع عاماً بعد عام، وأنّ الشباب يترددون في تأسيس مشاريعهم أو تكوين أسرهم خوفاً من مستقبل غامض، وعندما نبحث عن الأسباب التي صنعت هذا الانكماش، تقف الضريبة في مقدمة العوامل التي تمسّ حياة الناس مباشرة، وتغيّر سلوك السوق.
فالضريبة في ظاهرها موردٌ مالي، لكنها في حقيقتها قوة تُغيّر السلوك الاقتصادي، فهي تقتطع من الجيوب قبل أن تصلح الأوضاع، وتضغط على الطبقات التي تحمل المجتمع كلّه على كتفيها، ومع تكرار الاقتطاع تتراجع القدرة الشرائية، ويضيق التنفس الاقتصادي، ويميل المجتمع بأسره إلى الانكماش.
وما يزيد الصورة تعقيداً أنّ الضريبة جاءت في وقتٍ كانت فيه القدرة الإنفاقية للمواطن في أدنى مستوياتها، فتقلّصَ الدخل المتاح للإنفاق، وانكمش الطلب الداخلي الذي يشكّل قلب أي اقتصاد حي، فضعفت الدورة الاقتصادية التي تقوم على البيع والشراء والإنتاج، وصارت كل خطوة في السوق مُحاطة بالتردد والحذر.
وتتضح المشكلة أكثر حين نقرأها من زاوية الاقتصاد الكلي، فالنظرية التي كتبها كينز منذ قرن تبدو اليوم كأنها تُعيد وصف واقعنا سطراً سطراً، إذ لا يكفي أن تُفرض ضريبة ثم يُقلص الإنفاق الحكومي في الوقت نفسه، لأنّ ذلك يخلق ضربة مزدوجة على الطلب، فيتراجع النشاط، وتتضاءل الوظائف، ويتباطأ الاقتصاد من غير قوة تدفعه إلى الأمام.
ثم إنّ الضرائب عندما ترتفع فوق طاقة السوق، كما يشير منحنى لافر، لا تزيد إيرادات الدولة بل تنقصها، لأن الناس يقلّصون الاستهلاك والعمل، وتبتعد الشركات عن الاستثمار، ويتسرب النشاط من القنوات الرسمية إلى قنوات موازية، وهذا ما نراه في انكماش التجارة الصغيرة وارتفاع معدلات الخروج من السوق.
ويظهر الخطر بصورة أوضح عندما نراقب حالة الشركات الصغيرة والمتوسطة، فهي الأكثر تأثراً لأنها تعمل على هوامش ضيقة، وما إنْ ترتفع عليها التكاليف حتى تتراجع قدرتها على البقاء، فيغلق بعضها أبوابه، ويقلص بعضها الآخر العمالة، ومع كل خروج جديد لشركة صغيرة يتلاشى مقعد اقتصادي، وينكمش مورد كان يغذي السوق بالحيوية.
وفي فكر موراي روثبارد نجد ما يضع الإصبع على الجرح حين يرى أنّ الضريبة اقتطاعٌ من رأس المال المنتج نفسه، أي من القلب الذي يضخّ الاستثمار، فكلما زادت الضريبة ضعفت قدرة السوق على التجدد، وتحولت الموارد من القطاعات المنتجة إلى مؤسسات مترهلة لا تولد فرص عمل حقيقية، وهذا ما نشهده حين يُضخّ المال في مشاريع عمرانية عقارية لا تُنشئ وظائف حقيقية، بينما تخنق القطاعات الإنتاجية التي تحتاج رأس مال متدفق كي تنمو.
وهذه المعادلة تنتج حلقة هبوطية واضحة؛ انخفاض في الطلب، ثم ضعف في الاستثمار، ثم تقلص في الوظائف، ثم مزيد من التراجع في الطلب، وهكذا يدخل الاقتصاد في دائرة تنكمش كلما حاول الخروج منها بالاقتطاع، وتتسع كلما امتلك شجاعة التحفيز والإعفاء والتيسير.
وفي الحالة العمانية تبدو المفارقة أشدّ وضوحاً، فالإنفاق الحكومي يتجه في معظمه إلى المشاريع العملاقة التي تستفيد منها الشركات الكبرى، بينما القطاع الذي يحمل قوة العمل الشابة لا يجد في هذه المشاريع ما ينهض به، ثم جاءت الضريبة لتسحب من جيب المستهلك ما تبقى في يده من قدرة على الحركة، فتراجعت السوق من الجهتين معاً.
وزاد الوضع صعوبةً أنّ أسعار السلع والخدمات ارتفعت في الوقت نفسه، بينما ظل الحد الأدنى للأجور ثابتاً عند حدود لا تفتح بيتاً ولا تعين شاباً على تكوين أسرة، فأصبحت الضريبة عبئاً اقتصادياً واجتماعياً يقيّد حرية الإنسان الأساسية في بناء حياة كريمة.
ومن زاوية شرعية، فإن ما سماه الفقهاء قديماً “المكْس” يطابق شكل الضرائب الجائرة التي تؤخذ من الناس دون مسوغ شرعي، وقد جاءت نصوص كثيرة في تحريمها لأنها اعتداء على مال المسلم، ولأن الإسلام جعل الزكاة ( وليس الضريبة) الأداة الشرعية الوحيدة التي تعيد توزيع الثروة بعدل ورعاية.
وفي هذا السياق يبرز دور العلماء والفقهاء في بيان الحق، فالمسألة ليست فنية ولا مالية فقط، بل هي مسألة عدل، وإذا كان الإسلام يمنع اقتطاع المال دون حق، فإن من الواجب الشرعي والإنساني أن يُقال هذا بصراحة، وأن يُدعى إلى حماية لقمة الناس وكرامتهم وحقهم في العيش الكريم.
ويبقى في نهاية هذا كلّه أنّ الاقتصاد لا يُبنى على الاقتطاع، ولا يقوى على حساب الضعفاء، ولا يستقيم حين تُثقل كواهل الناس بينما يُطلب منهم أن يصنعوا نمواً من هواء ضيق، والقوة الحقيقية لأي دولة تبدأ من مواطنيها، ومن قدرتهم على الإنتاج لا على الدفع، ومن طاقاتهم لا من جيوبهم، وحين تتقدم كرامة الإنسان يتقدم الوطن كلّه معه.



