الجمعة: 13 مارس 2026م - العدد رقم 2853
مقالات صحفية

الزكاة .. من القلب إلى القلب

  عادل بن حميد بن عبدالله الجامعي

في قلب المجتمعات المتماسكة تنبض منظومةٌ خفية من الرحمة، تُعيد التوازن بين الناس حين تضيق الأحوال على بعضهم وتتسع على بعضهم الآخر. هذه المنظومة هي منظومة الزكاة والصدقات والكفارات وزكاة الفطر؛ فريضةٌ في أصلها، ورحمةٌ في أثرها، وجسرٌ إنساني يصل بين القلوب قبل أن يصل بين الأموال. ومن خلالها يجد المحسن طريقًا واضحًا ليضع عطاؤه في موضعه الصحيح، ويجد المحتاج يدًا تمتد إليه بكرامةٍ وصونٍ لمشاعره، ويعيش المجتمع حالةً من التكافل التي تجعله أكثر استقرارًا وتماسكًا. ولهذا كانت مؤسسات الزكاة ولجانها المنتشرة في أنحاء الوطن تمثل أحد الأركان الجميلة في بناء المجتمع، فهي التي تنظم هذا الخير وتوصله إلى مستحقيه في صورةٍ تحفظ الكرامة وتُبقي روح الأخوة حيّة بين الناس.

وفي داخل هذه المنظومة الواسعة يعمل رجال ونساء ينسجون تفاصيلها اليومية بهدوء وإخلاص، ومن هنا تبرز حقيقة جميلة قد لا يلتفت إليها كثير من الناس حين يتأملون منظومة الزكاة في سلطنة عُمان. ففي دائرة الزكاة يعمل اثنا عشر موظفًا وموظفة، اثنا عشر قلبًا يجتمعون تحت سقف دائرة، غير أن أثر عملهم يمتد عبر مساحة الوطن كله. يعمل هؤلاء جنبًا إلى جنب مع ست وستين لجنة للزكاة موزعة في محافظات سلطنة عمان وولاياتها ونياباتها، في شبكةٍ إنسانية واسعة يكاد الخير يجري فيها كما تجري المياه في الأفلاج العُمانية التي تسقي الأرض بهدوء واستمرار.

اثنا عشر موظفًا يقابلهم ست وستون لجنة، وخلف كل لجنة رجال ونساء يبذلون من أوقاتهم وطاقاتهم الشيء الكثير. وما يزيد هذه المنظومة جمالًا أن العاملين في تلك اللجان يعملون بروح التطوع، فيمنحون جزءًا من أعمارهم لخدمة الناس، ويجعلون من وقتهم الخاص مساحةً للعطاء. إنهم يعرفون أحوال الأسر، ويتابعون احتياجاتها، ويجتهدون في إيصال الزكاة والصدقات والكفارات وزكاة الفطر من أيدي المحسنين إلى المستحقين المسجلين في تلك اللجان.

كما أن لهذه المنظومة شركاء آخرين يسهمون بصمتٍ في استمرار هذا الخير، ومنهم الإخوة العاملون في المصارف الإسلامية. فهؤلاء يقومون بدور مهم في استقبال الزكوات والصدقات وتيسير إيصالها إلى قنواتها المنظمة، ويقدمون خدمات مالية وإجرائية تسهل على المحسنين أداء هذه الشعيرة بيسر وطمأنينة. إن جهودهم، وإن كانت تتم خلف النوافذ المصرفية أو عبر الأنظمة المالية، تمثل جزءًا أصيلًا من هذه السلسلة المباركة التي تنقل الخير من يد المعطي إلى قلب المحتاج.

إنه جهدٌ كبير، جهدٌ شديد، جهدٌ جميل أيضًا؛ لأن ما يحيط به من نياتٍ طيبة يجعل العمل فيه أقرب إلى العبادة منه إلى المهمة الإدارية. وكثيرًا ما يستمر العمل بعد انتهاء الدوام الرسمي، فتتحول الساعات إلى متابعةٍ وتنسيقٍ وتواصل، حتى يصل الخير إلى مستحقه في وقته المناسب.

أما دور دائرة الزكاة في هذه المنظومة فيتمثل في أن تكون الجسر الهادئ الذي يربط بين أطرافها جميعًا؛ فهي تعمل على تنظيم العمل، وتيسير الإجراءات، وتذليل الصعوبات، وتسهيل المعاملات بين المحسنين واللجان والمستحقين، حتى تسير هذه المنظومة في انسجامٍ وتكامل. ولهذا فإن ما يقوم به موظفو الدائرة، على أهميته، إنما هو جزء من لوحةٍ أكبر يكتمل جمالها بجهود اللجان والمتطوعين والمحسنين والعاملين في المصارف الإسلامية جميعًا.

ومن يعيش هذا العمل من الداخل يدرك أن متعته في تلك اللحظات الإنسانية التي ترافقه في نهاية كل يوم. حين ترى بسمة أمٍ زال عنها بعض الضيق، أو تسمع ضحكة طفلٍ عاد إليه شيء من الطمأنينة، أو تلمح في وجهٍ كريمٍ نظرة امتنان صامتة؛ عندها يشعر الإنسان أن جهده لم يكن مجرد عملٍ وظيفي، بل كان مشاركةً في صنع لحظة رحمة في حياة إنسان آخر.

ولهذا فإن كلمة الشكر هنا مستحقة للجميع. الشكر أولًا لله سبحانه الذي جعل في أموال الناس حقًا معلومًا للسائل والمحروم، وجعل الزكاة بابًا من أبواب الرحمة في المجتمع.
ثم الشكر لكل روحٍ تعمل في هذه المنظومة المباركة: لكل موظفٍ في دائرة الزكاة، ولكل عضوٍ في اللجان الست والستين، ولكل متطوعٍ يبذل وقته وجهده، ولكل محسنٍ يفرح بأن يكون سببًا في إدخال السرور إلى قلب محتاج، وكذلك للإخوة العاملين في المصارف الإسلامية الذين يسهمون في تسهيل هذا الخير وتنظيم مساراته.

إنها أرواح تعمل ليلًا ونهارًا، تبذل جهدها الجهيد، وتقدم من وقتها وطاقتها الكثير، حتى يبقى هذا الوطن عامرًا بروح التكافل التي عُرف بها أهله.

وحين يعود العامل في هذا الميدان إلى بيته في نهاية يومه، قد لا يحمل معه مالًا أكثر، لكنه يحمل في قلبه يقينًا جميلًا بأن بسمةً ما قد وُلدت اليوم، وأن ضيقًا ما قد انفرج، وأن أثرًا صغيرًا من الخير قد سلك طريقه إلى قلب إنسان.. وكان له شرف المشاركة فيه.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights