الإثنين: 09 مارس 2026م - العدد رقم 2849
مقالات صحفية

أُفول الموهبة

    صالح بن ناصر المحروقي

كانت المواهبُ عبر التاريخ قمماً يُشار إليها بالإعجاب والتقدير، وأصحابها يحظون بمكانةٍ خاصةٍ في الوجدان الجمعي، فالشاعرُ الذي تُخلَّده قصيدته، والرسامُ الذي تبقى لوحته حاضرةً بعد قرون، والعالِمُ الذي يكتشفُ قانوناً يُغيّر وجه المعرفة، جميعهم كانوا شهوداً على أنّ الموهبة سرٌّ لا يُكتسب بالمراس وحده، بل تُولد في الروح كهبةٍ ربانية.

غير أنًّ العالَم الحديث قلبَ الموازين رأساً على عقب، فمع صعود تقنيات الذكاء الصناعي تغيّرت طبيعةُ الإبداع، فلم يعُد يتطلّب موهبةً فطريةً، أو تمريناً طويلاً، بقدر ما يعتمدُ على أدواتٍ ذكيةٍ تتعلّم وتُنتج، وأصبح بإمكان أيّ شخصٍ يمتلكها أن يُنجز عملاً فنياً أو أدبياً، من دون أن يمرّ بمراحل التجربة الطويلة التي كانت شرطاً للإتقان، فتحوّل الإبداعُ من رحلةٍ شاقة، إلى نتيجةٍ سريعةٍ تصنعها التقنية في لحظات!

في ميدان الكتابة مثلاً، كان الكاتبُ يقضي سنواتٍ من عمره في القراءة والتجريب، حتى تتكوّن لديه لغةٌ ذات نكهةٍ خاصةٍ، وأسلوبٌ يعكس تجربته ورؤيته، أما اليوم فقد أصبح بمقدور أيّ شخصٍ تقريباً أن يكتب نصوصاً مُتقنة، بفضل أدواتٍ تُحاكي الإنسان في لغته وأسلوبه.

وفي الفن التشكيلي، لم يعد الإتقان ثمرة دراسةٍ وصبرٍ وتجريب، فبعد أن كان الفنانُ يقضي أعواماً في التدرّب على التكوين والمنظور وتناسق الألوان، صار بإمكان أي شخص أنْ يصفَ مشهداً بكلماتٍ قليلة، ليُنتج له الذكاء الصناعي لوحةً دقيقة التفاصيل، تُثير الإعجاب والدهشة!

ولا يختلف الأمر في الشعر، الذي لطالما كان مرآةً للوجدان الإنساني، وساحةً لخياله الخصب، فإذا بالآلات اليوم تغدو قادرةً على نظمِ أبياتٍ موزونةٍ ومقفّاةٍ في لحظات.

لقد ساوت التقنية بين الناس، فلم تعد الموهبة وحدها طريقاً للتميّز، بل أصبح المعيار الجديد هو القدرة على استخدام الأداة وتوجيهها بالطريقة الأمثل.

فالذكاء الصناعي إذاً لم يُنهِ زمن الموهبة تماماً، وإنما كشفَ عن حدودها حين تتوقف عن مواكبة العصر، وقد نشأ من هذا التحول مفهوم “الموهبة المركّبة”، والتي تجمعُ بين الفنون والمعارف، وتربط بين التقنية والأفكار، فالمبدع الحقيقي اليوم هو الذي يُجيد الربط بين مجالاتٍ متعددةٍ، ليُنتج منها رؤيةً متكاملة.

وفي زمنٍ أصبحت فيه الأدوات في متناول الجميع، غدت الفكرة هي القيمة الأسمى في أي عملٍ إبداعي، لأنّ الآلة تُنتج دون وعيٍ بالغاية، بينما الإنسان هو الكائن الوحيد القادرُ بوعيه على ربط الفعل بالقصد، وهذا الوعي هو الذي يمنحُ العمل دِلالته، ويُحوّلهُ من إنتاجٍ تقني، إلى تجربةٍ فكريةٍ ذات معنى وأثر.

وفي قلب هذا التحوّل، يبقى الخيالُ هو القيمة الإنسانية التي لا يمكن استنساخها أبداً، لأنه يتجاوز حدود المعرفة، ويمنحها روحاً جديدة، وقد صدق أينشتاين حين قال أنّ الخيال أهمّ من المعرفة، فالمعرفة مهما اتسعت فهي تبقى محدودة، أما الخيال فيحيط بالعالم كله.

ومع ذلك، فإنّ التعليم في مدارسنا ما زال أسير طرقه القديمة، يُكرّر ما مضى بدل أن يُثير السؤال، ويزرعُ الحفظ بدل أن يُنمّي الخيال، فيُخرّج لنا أجيالاً تحفظُ ولا تُفكّر، وتُقلّد دون أن تُضيف، في حين أنّ العالم من حولنا يتغيّر بسرعةٍ خاطفةٍ لا ترحم المتردّدين.

وحين يستمر التعليم في تجاهل عنصر الخيال، ستنشأ بيننا عقولٌ بلا ابتكار، وأرواحٌ بلا دهشة، تُؤدي فقط ما يُطلب منها، كما تفعلُ البرامج التي تفتقر إلى الوعي، فالتكرارُ بطبيعته لا يُثمر فِكراً، والحفظُ لا يُنبت موهبة.

وختاماً، فإنني حين وضعتُ “أفول الموهبة” عنواناً لهذا المقال، لم أكن أعني نهاية الموهبة، بل بدايةً لشكلٍ جديدٍ منها، موهبةٍ تتعلّمُ من الآلة، وتُضيف إليها ما لا يمكنها برمجته؛ أعني الوعي، والإحساس، والرؤية.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights