الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

أين تلك الورق للمجلة..!

مريم المعشنية

تتشابهُ الأوراقُ تشابهَ الأصدقاء، وكأنك على موعدٍ مع صديقةٍ تزورك في وقت لا يختلف عليه. فالأوراقُ تأتي من العالم البعيد، محمَّلةً بعبق المدن التي لم تزرْها، وبأصواتِ أناسٍ لم تلتقِ بهم، وبأفكارٍ كانت تصل كالهدايا في وقت الظهيرة.

ما زالت عالقةً في ذاكرتي أولُ مجلةٍ وقعت بين يديّ. كان غلافُها أزرقَ كزرقة السماء، وعنوانُها يُستقى بحروفٍ ذهبيةٍ تتلألأ تحت أشعةِ شمسٍ منبثقةٍ من نافذة الغرفة. قلّبتُ صفحاتِها بتمعّن، كمن يقلب أوراقَ كتابٍ نُقش بدمه. قرأتُ فيها قصصًا تُسافر بك إلى عوالمَ لم تكن لتعرفها، وصورًا تفتح أمامك نوافذَ على بلادٍ لم تحلم يومًا بأن تراها، ممتزجةً بخليطٍ من العبق الخاص لورق الطباعة، ورائحةٍ تملأ النفسَ بالترقب والمعرفة.

كانت تلك المجلةُ هي النافذةَ التي نطلُّ منها على العالم، ننتظرُها كما ينتظرُ المسافرُ ساعيَ البريد. نقرؤها في صمتٍ تارةً، وبصوتٍ عالٍ تارةً أخرى، وتنتقل من يدٍ إلى يدٍ ككنزٍ ثمين. وكانت صفحاتُها تُقصُّ أحيانًا ليحتفظ القارئُ بصورةٍ أعجبته، أو بقصيدةٍ أحبّها، وكانت الأعدادُ القديمةُ تُحفَظ في خزانةٍ خاصة، كسجلٍّ لعمرٍ كامل.

لكنّ العالم تغيّر. لم تعدِ المجلةُ ذلك الضيفَ المنتظَر، بل أصبحت شيئًا من ذاكرة الماضي. حلّت محلّها شاشاتٌ باردة، ومواقعُ لا تحمل رائحةَ الورق، ولا فرحةَ الانتظار. صرنا نتصفحُ بأصابعِنا محتوى لا نهاية له، لكننا لا نقرأ بعيوننا كما كنّا نفعل. صرنا نستهلك الكلمات كمن يلتقط حبّاتٍ من طبقٍ لا ينضب، دون أن نشعرَ بلذّة كل كلمة، ولا بجمالِ كل فكرة.

ما أقسى أن نكون من ذلك الجيل الذي عاش اللحظةَ التي رحلت فيها المجلة! نحن الذين شهدوا تحوّلَها من نافذةٍ على العالم، إلى ذكرى نُحتت في الذاكرة. من صديقٍ يزورك كل أسبوع، إلى غريبٍ تمرّ به في الطريق السريع للمعلومات.

أين تلك اللمسةُ التي كانت تتركها أصابعُنا على الورق؟ وأين ذلك الشوقُ الذي كان يملأُنا ونحن ننتظرُ العددَ الجديد؟ وأين تلك السعادةُ البسيطةُ التي كانت تأتينا مع كل صفحةٍ نقلبها؟

ربما تكون المجلةُ قد رحلت، لكنها تركت فينا شيئًا لن يرحل: ذلك الشغفُ بالمعرفة، وتلك الرغبةُ في اكتشاف العالم، وذلك الحبُّ للكلمة المكتوبة التي كانت تأتينا من بعيد، كرسالةٍ من صديقةٍ قديمة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights